الفيض الكاشاني
75
أنوار الحكمة
سبق في العلوّ فلا شيء أعلى منه ، وقرب في الدنوّ فلا شيء أقرب منه ، فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه ، ولا قربه ساواهم في المكان به ؛ لم يطلع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته ، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود ، تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به والجاحدون له علوّا كبيرا » . ومنها « 1 » : « الدالّ على وجوده بخلقه وبمحدث خلقه على أزليّته وباشتباههم على أن لا شبه له . لا تستلمه المشاعر ولا تحجبه السواتر ؛ لافتراق الصانع والمصنوع والحادّ والمحدود ، والربّ والمربوب ؛ الأحد لا بتأويل عدد ، والخالق لا بمعنى حركة ونصب ، والسميع لا بأداة ، والبصير لا بتفريق آلة ، والشاهد لا بمماسّة ، والبائن لا بتراخي مسافة ، والظاهر لا برؤية ، والباطن لا بلطافة . بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها ، وبانت الأشياء [ منه ] بالخضوع له والرجوع إليه . من وصفه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن عدّه فقد أبطل أزله ، ومن قال : « كيف ؟ » فقد استوصفه ، ومن قال : « أين ؟ » فقد حيّزه . عالم إذ لا معلوم ، وربّ إذ لا مربوب ، وقادر إذ لا مقدور » . فصل ومنها « 2 » قاله لذعلب اليماني - وقد سأله : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : « أفأعبد ما لا أرى ؟ » قال : « وكيف تراه ؟ » . فقال : « لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه الأبصار « 3 » بحقائق
--> ( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 152 . أولها : « الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه » . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة 179 . البحار : 4 / 52 ، ح 9 . 72 / 279 . ( 3 ) كذا ، في المصدر : تدركه القلوب .