الفيض الكاشاني

46

أنوار الحكمة

« إنّ اللّه - سبحانه - لا يأسف كأسفنا ، ولكنّه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون مربوبون « 1 » ، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه ، لأنّه جعلهم الدعاة إليه ، والأدلّاء عليه ، فلذلك صاروا كذلك ، وليس ذلك « 2 » يصل إلى اللّه كما يصل إلى خلقه ، لكن هذا معنى ما قال من ذلك . وقد قال : « من أهان لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها » . وقال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ 4 / 80 ] . وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ 48 / 10 ] . فكلّ هذا وشبهه على ما ذكرت لك ، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء ، مما يشاكل ذلك . ولو كان يصل إلى المكوّن الأسف والضجر - وهو الذي أحدثهما وأنشأهما - لجاز لقائل أن يقول : إنّ المكوّن يبيد يوما ، لأنّه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير ، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه بالإبادة ، ولو كان ذلك كذلك ، لم يعرف المكوّن من المكوّن ، ولا القادر من المقدور ، ولا الخالق من المخلوق ، تعالى اللّه عن هذا القول علوّا كبيرا . هو الخالق للأشياء لا لحاجة ، فإذا كان لا لحاجة استحال الحدّ والكيف فيه - فافهم ذلك إن شاء اللّه » . أقول : قد ذكرنا في كتابنا الموسوم ب « عين اليقين » أصولا من أحكمها عرف أنّ كلّ ما ورد من الآيات والأخبار في التنزيه والتشبيه فهو محمول على ظاهره من غير تأويل ولا تعطيل ، مع أنّه سبحانه منزّه عن الأمرين جميعا . قال صاحب الفتوحات « 3 » : فإن قلت بالتنزيه كنت مقيّدا * وإن قلت بالتشبيه كنت محدّدا وإن قلت بالأمرين كنت مسدّدا * وكنت إماما في المعارف سيّدا

--> ( 1 ) المصدر : مدبرون . ( 2 ) المصدر : ذلك أن . ( 3 ) فصوص الحكم : 70 ، الفص النوحي .