الفيض الكاشاني

43

أنوار الحكمة

واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم اللّه عن الاقتحام « 1 » في السدد المضروبة دون الغيوب ، فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ 3 / 7 ] ؛ فمدح اللّه اعترافهم بالعجز - عن تناول ما لم يحيطوا به - علما ، وسمّى تركهم التعمّق - فيما لم يكلّفهم البحث عنه - : رسوخا ؛ فاقتصر على ذلك ، ولا تقدّر عظمة اللّه على قدر عقلك ، فتكون من الهالكين . . . » . وكلماته عليه السلام في تنزيه اللّه عزّ وجلّ وتقديسه وتوحيده وتمجيده كثيرة ، وقد أوردنا قدرا صالحا منها في كتابنا المسمّى بعلم اليقين ، وأما هنا فلنقتصر منها على ما ذكر ، وسنشير إلى نبذ آخر فيما بعد ، إن شاء اللّه . تنبيه فيه نور « 2 » [ التنزيه والتشبيه ] قد دلّت العقول السليمة والأفهام المستقيمة على تنزيهه - سبحانه - عمّا لا يليق بجنابه المقدّس ؛ مثل الجسميّة والصورة والحركة والانتقال والحلول والاتّحاد ، وكونه محلّا للحوادث ، أو في جهة أو مكان أو زمان ، وكونه مرئيّا ، أو مدركا بشيء من الحواسّ ، أو مكتنها « 3 » بشيء من العقول - وغير ذلك من النقائص التي هي من صفات الممكنات والمعلولات . بل نقول : إنّه سبحانه منزّه عن كلّ وصف من أوصاف الكمال ، الذي يظنّه أكثر الخلق ، لأنّ الخلق إنّما يصفونه بما هو كمال في حقّهم ، واللّه تعالى منزّه عن أوصاف كمالهم ، كما أنّه عزّ وجلّ منزّه عن أوصاف نقصهم ، وكلّ صفة يصفه به الخلق ممّا يدركه حسّ أو يتصوّره خيال ، أو يسبق إليه وهم ، أو يختلج به ضمير ، أو يفضي به فكر : فهو مقدّس عنها وعمّا يشبهها ويماثلها ، ولولا ورود

--> ( 1 ) في هامش النسخة : الاقتحام : الدخول في الشيء بشدة وصعوبة . والسدد : الحجب . ( 2 ) ر : فيه رموز . ( 3 ) مل : مكنها .