الفيض الكاشاني
414
أنوار الحكمة
تنبيه [ عذاب أهل النار ونعيمهم ] وأنت تعلم أنّ كون الشيء عذابا من وجه لا ينافي كونه رحمة من وجه آخر ، وأنّ عدم انقطاع العذاب من أهل النار لا ينافي انقطاعه عن كل أحد من أهلها . ثمّ ليعلم أنّ بين نعيم أهل الجنّة ونعيم أهل النار عند إفاضة الرحمة عليهم بونا بعيدا ، ولهذا قيل : « ينبت في قعر جهنّم الجرجير » ، ولم يقل : « ينبت الورد والفرفير « 1 » » . فإنّ نعيم أهل النار من رحمة أرحم الراحمين - لحدوثه بعد الغضب والعذاب - ونعيم أهل الجنّة من حضرة الرحمن الرحيم والامتنان الجسيم ؛ والأول كالقشر للثاني ، لكثافة ذلك ولطافة هذا ؛ كالتبن والنخالة للحمار والبقر ، ولباب البرّ للإنسان والبشر ؛ والقشر إنّما هو لصيانة اللبّ وحفظه . فكذا أهل النار محامل يتحمّلون المشاقّ لعمارة العالم ، وأهل الجنّة مظاهر يحقّقون المعارف والحقائق لعمارة الآخرة ، فيحفظونهم عن الشدائد ، ويفرغونهم لملازمة المعابد ؛ فعمرت الداران وسبقت الرحمة الغضب ، ووسعت كلّ شيء جهنّم ومن فيها ، واللّه أرحم الراحمين . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 2 » : « إنّ اللّه خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة ، فجعل في الأرض منها رحمة ، [ بها ] تعطف الوالدة على ولدها والبهائم بعضها على بعض ، والطير ؛ وأخّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة ؛ فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة » .
--> ( 1 ) هامش ر : الفرفير كجرجير : نوع من الألوان . ( 2 ) ابن ماجة : كتاب الزهد ، الباب ( 35 ) ، 2 / 1435 . وما يقرب منه في مسلم : كتاب التوبة ، باب ( 4 ) ، 4 / 2109 . ومستدرك الحاكم : كتاب الإيمان : 1 / 56 . وكتاب التوبة : 4 / 247 . كنز العمال : 4 / 250 ، ح 10391 و 3 / 97 ، ح 5670 .