الفيض الكاشاني
406
أنوار الحكمة
فكلّ من غلبت عليه في الدنيا واحدة من تلك النشآت « 1 » فمآله بعد وفاته إليها . فمن غلبت عليه القوّة العقليّة واستكملت بإدراك العقليّات المحضة ، والعلم باليقينيّات الحقيقيّة ، فمآله إلى النشأة العقليّة في عليّين مع الملائكة المقرّبين . ومن غلبت عليه اللذات الحسّية الاخرويّة - من الجنّة ونعيمها وسرورها وحورها وقصورها ، والخوف من عذاب الآخرة ونار جهنّم وآلامها - وعمل بمقتضى الوعد والوعيد ، فمآله إلى النشأة الخياليّة الحسّية في نعيم الجنّة مع أصحاب اليمين . ومن غلبت عليه المستلذّات الحسّية الدنيويّة والعادة بهذه المألوفات الفانية ، فهو بعد وفاته أليف غصّة شديدة ، ورهين عذاب أليم ؛ لأنّ الدنيا ولذّاتها أمور مجازيّة لا حقيقة لها ، والإحساس بها انفعالات تنفعل النفس بها عند الحدوث ، وتزول بسرعة عنها ولا تدوم ؛ ولكن يبقى الأثر والعادة في المحبّة والاشتياق . فمن عشقها واشتاقها كان كمن أحبّ أمرا معدوما ، محبّة مفرطة ، وطلب شيئا باطلا طلبا شديدا ، وحيث لم يكن لمحبوبه أثر ولا لطلبه أثر فهو في هذه الحال في غصّة شديدة وألم دائم . إلّا أنّهم ما داموا في الدنيا يشتبه ذلك عليهم ، ويزعمون أنّ لمحبوباتهم حقيقة ، فيأكلون ويتمتّعون كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [ 47 / 12 ] ؛ لأنّه إذا طلعت شمس الآخرة وقامت الحقيقة ، اضمحلّت بها رسوم المجازات ، وذابت بإشراقها أكوان المحسوسات ، اضمحلال الظلال وذوبان الحميد بحرارة ارتفاع الشمس في أوان الصيف ، فبقي المحب للدنيا والمحسوسات المادّية محترقا بنار الجحيم ، معذّبا بالعذاب الأليم « 2 » .
--> ( 1 ) مل : في الدنيا في تلك النشآت . ( 2 ) في هامش ( ر ) : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ألا وإنّ الدنيا قد ولّت حذّاء ، فلم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء اصطبّها صابّها ، ألا وإنّ الآخرة قد أقبلت ، ولكلّ منهما بنون ، فكونوا