الفيض الكاشاني
399
أنوار الحكمة
والنغمات الرخيمة ؛ فهي لذّة المتوسّطين الصالحين من أصحاب اليمين ، كما قال تعالى : فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ « 1 » - إلى قوله : لِأَصْحابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [ 56 / 28 - 40 ] . وقد تكون أنواع منها للسابقين المقرّبين ، كما قال تعالى : عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ - إلى قوله سبحانه : - كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ 56 / 15 - 24 ] . وهذا يدلّ على أنّ ذلك جزاء أعمالهم دون علومهم واعتقاداتهم ؛ ويشبه أن لا يكون لهم كثير التذاذ بها ، بل ولا التفات ، كما يشعر به قوله سبحانه : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ لأنّ قرّة عيونهم إنّما هي في الجنّة العالية . وإنّما « 2 » يحصل ذلك كلّه بإبداع النفس تلك الصور الملذّة في عالمها وصقعها الخاصّ بها ، كما تبدع الصور هاهنا في قوّتها المتخيّلة ، إلّا أنّها هناك تكون عينيّة ، وقد ثبت أنّ للنفس اقتدارا على ذلك ، ولكنّها ما دامت في هذه النشأة لا تترتّب عليها آثارها ، لضعفها واشتغالها بالمحسوسات وانهماكها فيها ، إلّا لأصحاب الكرامات خاصّة . وأمّا في الآخرة : فيكون ذلك لعامّة الناس ، إلّا أنّ السعداء - لصفاء طويّتهم وعدالة أخلاقهم - تكون قرناؤهم الصور الحسان واللؤلؤ والمرجان ؛ والأشقياء - لخبث عقائدهم ورداءة أخلاقهم واعوجاج عاداتهم - يكون جليسهم الجحيم والزقّوم والعقارب والحيّات ؛ إذ كما أنّ الأعمال مستتبعة للملكات في الدنيا بوجه ، فالملكات مستتبعة للأعمال في الآخرة بوجه .
--> ( 1 ) هامش ( ر ) : ذكر السدر والطلح ونحوهما - مما لا يرغب فيه رغبة بالغة - إمّا لأنه مما خوطب به جماعة عظمت هذه الأمور في أعينهم ويشتهونه غاية الشهوة ، وإما لأن كل شيء يكون في الدنيا فله صورة في الآخرة وكثيرا ما يكون صورته الدنياوية سمجة كريهة ، وصورته في الآخرة في غاية الحسن واللطافة . أو لا ترى أنّ أهل الإيمان كثيرا ما يكونون في الدنيا شعثا غبرا صفر الوجوه ، وفي الآخرة وجوههم أضوأ من الشمس ، وخلوف فم الصائم عند الملائكة أطيب من رائحة المسك الأذفر - منه ره . ( 2 ) مقتبس مما جاء في تفسير سورة الواقعة لصدر المتألهين : 7 / 34 - 36 .