الفيض الكاشاني
371
أنوار الحكمة
وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لمّا عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة ، فناولني من رطبها ، فأكلتها ، فتحوّلت ذلك نطفة في صلبي ، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة ، فحملت بفاطمة حوراء إنسيّة ، فلمّا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت ابنتي فاطمة » « 1 » . سرّ [ الجنّة والنار موجودان في صقع وجود صاحبهما ] ليعلم إنّ الجنّة والنار إنّما تنشئان من النفس ، وهما حالّتان في موضعها وحالتان لها ، وتحدثان لكلّ نفس بحدوثها وتعمران بأعمالها ومدركاتها وأخلاقها وملكاتها التي تحصل لها من أول العمر إلى آخره . فإنّ من ألف عقيدة وأنس طريقة واعتاد عملا وأحبّ شيئا واستمرّ على ذلك مدّة وربّاه يوما فيوما وشيئا فشيئا ، ترسّخ ذلك لا محالة في نفسه ، وصار جزءا من حقيقة ذاته ، بحيث يتعذّر » أو يتعسّر انفكاكه عنها ، فيحمله معه إلى الآخرة ، ويكون قرينه - شاء أم أبى - ولا تدفعه عنه كراهيّته له ونفرته عنه . ألا ترى إذا أصابك مصيبة في الدنيا ، كيف كلّما خطر ببالك اغتممت بها وتأذّيت بسببها ، ولا يمكنك أن لا تخطرها ببالك أو تتناسى عنها ، لأنّها تفجأك من غير اختيار لك ، إلا أنّك في الدنيا تغفل عنها أحيانا بسبب الشواغل ، بخلاف الآخرة ، فإنه لا ينفكّ مكتسباتها عنك بحال ، لصفاء المحلّ وقوّته ، وعدم الشاغل ، وصيرورة القوى كلّها قوّة واحدة . فالمؤمن من يحمل معه من الدنيا ما يلتذّ به من الصور الحسان واللؤلؤ والمرجان والحور والغلمان ، ممّا كسبه ؛ والكافر يحمل معه من الدنيا « 2 » ما يتأذّى به من سموم وحميم ، وظلّ من يحموم ممّا اكتسبه . وقد تبيّن ذلك ممّا قدّمناه من البيان .
--> ( 1 ) إلى هنا انتهت الرواية عن الرضا عليه السلام . ( 2 ) مل : يحمل معه منها .