الفيض الكاشاني
315
أنوار الحكمة
تنبيه لا تعجّب لا ولي الألباب من النشأة الثانية والبعث إليها ، بل تعجّبهم من النشأة الأولى أكثر بكثير ؛ إلّا أنّ الأولى لمّا كانت محسوسة مشاهدة معتادة : سقط التعجّب منها . كما ذكر بعض العرفاء « 1 » أنّه : « لو سمع عاقل - قبل أن يشاهد - أنّ إنسانا حرّك نفسه فوق امرأة مرارا - كما يحرك الممخض - وخرج من بعض أجزائه شيء مثل زبد سيّال ، فيخفى ذلك الشيء في بعض أجزاء المرأة ، ويبقى مدّة على هذه الحالة ، ثمّ يصير علقة ، ثمّ العلقة تصير مضغة ، ثمّ المضغة تصير عظاما ، ثمّ يكسى العظام لحما ، ثمّ تحصل منه الحركة ، فيخرج من موضع لم يعهد خروج شيء منه على حالة لا تهلك أمّه ولا تشقّ عليها ولادته ؛ ثمّ يفتح عينه ، ويحصل في ثدي الامّ مثل شراب مائع - لم يكن فيها قبل ذلك شيء - ويغتذي به الطفل إلى أن يصير هذا الطفل بالتدريج صاحب صناعات واستنباطات ؛ بل ربما يكون هذا الذي أصله نطفة - وهو عند الولادة أضعف خلق اللّه - عن قريب ملكا جبّارا قهّارا ، يملك أكثر العالم ويتصرّف فيه . فإنّ التعجّب من ذلك أكثر وأوفر من التعجّب من النشأة الثانية » . وإلى ذلك أشير في القرآن بقوله سبحانه : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [ 56 / 62 ] . قال سيّد العابدين عليه السلام « 2 » : « عجبا - كلّ العجب - لمن أنكر الموت ، وهو يرى من يموت كلّ يوم وليلة ؛ والعجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة ، وهو يرى النشأة الأولى » .
--> ( 1 ) الغزالي في المضنون به على غير أهله : مجموعة رسائل الغزالي ، 4 / 154 - 155 . ( 2 ) المحاسن : كتاب مصابيح الظلم ، ح 230 : 1 / 242 . أمالي الطوسي : المجلس 35 ، ح 31 ، 663 ، مع فرق يسير . عنهما البحار : 7 / 42 ، ح 14 . 78 / 142 ، ح 4 .