الفيض الكاشاني
278
أنوار الحكمة
وأمّا السبب الغائي في ذلك : فهو ما مضى من أنّ إرادة اللّه - سبحانه - وقصده في إيداع « 1 » الألم في جبلّة الحيوانات والوجع والخوف في طباعها عمّا يلحق أبدانها من الآفات والعاهات - وخصوصا الموت - إنّما هو للحثّ لنفوسها على حفظ أبدانها وكلاءة أجسادها من الآفات العارضة لها ؛ إذ الأجساد لا شعور لها في ذاتها ، ولا قدرة على جرّ منفعة إليها ولا دفع مضرّة عنها ، فلو لم يكن ذلك ، لتهاونت النفوس بالأجساد وخذلتها ، وأسلمتها إلى المهالك قبل فناء أعمارها وحلول آجالها ولهلكت دفعة واحدة في أسرع مدّة قبل تحصيل نشأة أخرى وتعمير للباطن ؛ وذلك ينافي المصلحة الكلّيّة ، والحكمة الأزليّة . نور [ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ] ومن تبيّن له بالبرهان توجّه كلّ سافل إلى عال ورجوع كلّ شيء إلى أصله ، وأيقن بالحركات الطبيعيّة وغاياتها والنفسانيّة وغاياتها ، واتّصال النفوس الفلكيّة بنهاياتها ، وآمن بأنّ مصير كلّ شيء إلى اللّه سبحانه وانّ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ 28 / 88 ] وأنّ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ 26 - 27 / 55 ] - تحدّس من ذلك أنّ الموت لا ينجو منه إلّا اللّه الحيّ القيّوم ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ 67 / 2 ] الذي خلق الموت والحياة ، يحيي ويميت ، ويميت ويحيي ، وهو حيّ لا يموت ، وكلّ ما سواه فهو ميّت لا محالة لا مفرّ له من الموت ، ولا بدّ له منه . قال مولانا أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين - عليه الصلاة والسلام - في كلام له طويل « 2 » : « وأنّه - سبحانه - يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه ، كما
--> ( 1 ) ر : ابداع . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة 186 ، مع فروق يسيرة .