الفيض الكاشاني
241
أنوار الحكمة
قال بعض العلماء « 1 » : « إنّ مقصود فطرة الآدميّين وكمالهم وغايتهم إدراكهم لسعادة القرب من الحضرة الإلهيّة ، ولم يمكن « 2 » ذلك إلّا بتعريف الأنبياء ، فكانت النبوّة مقصودة بالإيجاد ، والمقصود كمالها وغايتها لا أوّلها ، وإنّما تكمل بحسب سنّة اللّه - تعالى - بالتدريج كما تكمل عمارة الدار بالتدريج . فتمهّد أصل النبوّة بآدم عليه السلام ولم يزل ينمو ويكمل حتّى بلغ الكمال بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان المقصود كمال النبوّة وغايتها ، وتمهيد أوائلها وسيلة إليها كتأسيس البناء وتمهيد أصول الحيتان ، فإنّه وسيلة إلى كمال صورة الدار ؛ ولهذا السرّ كان خاتم النبيّين ، فإنّ الزيادة على الكمال نقصان كالإصبع الزائدة في الكفّ . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 3 » : « مثل النبوّة مثل دار معمورة لم يبق فيها إلّا موضع لبنة ، وكنت أنا تلك اللبنة » - أو لفظ هذا معناه - . فهو إذن خاتم النبيّين - ضرورة - إذ بلغ به الغاية والكمال ، والعناية أوّل في التقدير ، آخر في الوجود . وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 4 » : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » - أيضا - إشارة إلى ما ذكرناه ، وأنّه كان نبيّا في التقدير قبل تمام خلقة آدم ، لأنّه لم ينشأ خلقة آدم إلّا لينتزع الصافي من ذريّته ، ولا يزال يستصفى تدريجا - إلى أن يبلغ كمال الصفا - فيقبل الروح القدسيّ المحمّدي » - انتهى كلامه .
--> ( 1 ) الغزالي : الأجوبة الغزالية في المسائل الاخرويّة : مجموعة رسائل الغزالي : 4 / 180 ملخصا . ( 2 ) مل : لم يكن . ( 3 ) في البخاري ( كتاب المناقب ، باب خاتم النبيين : 4 / 226 ) : « إنّ مثلي ومثل الأنبياء قبلي ، كمثل رجل بني بيتا ، فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ، ويقولون : هلّا وضعت هذه اللبنة ؟ قال : فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيّين » . وأخرج مثله مسلم ( كتاب الفضائل ، باب ( 7 ) ذكر كونه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خاتم النبيّين ، 4 / 1790 - 1791 ، ح 22 ) : كما أخرجه أيضا بألفاظ اخر ح 20 - 23 . وجاء ما يقرب منه في كنز العمال : 11 / 453 ، ح 32127 . ( 4 ) مضى الحديث آنفا .