الفيض الكاشاني
204
أنوار الحكمة
وحبسهم من « 1 » نعيم الآخرة ، فسدّ عليهم باب الملكوت ، وفتح لهم أبواب الجحيم ، إلا من تاب وأصلح نفسه . ومنهم الجالس في الحدّ المشترك بين عالم المعقول وعالم المحسوس ؛ فهو تارة مع الحق بالحبّ له ، وتارة مع الخلق بالرحمة عليهم والشفقة لهم ؛ فإذا عاد إلى الخلق كان كواحد منهم ، كأنّه لا يعرف اللّه وملكوته ، وإذا خلا بربّه مشتغلا بذكره وخدمته فكأنّه لا يعرف الخلق . فهذا سبيل المرسلين والصديقين ، إذ لا شبهة في أنّ الجامع للطرفين أعلى في المرتبة من المحجوب عن أحدهما بالآخر ، لضيق صدره وعدم انطلاق لسانه ؛ فالنبيّ لا بدّ أن يكون آخذا من اللّه ، متعلّما من لدنه ، معطيا لعباده ، معلّما وهاديا لهم ؛ فيسأل ويجاب ، ويسأل ويجيب ؛ ناظما للطرفين ، واسطة بين العالمين ؛ سمعا من جانب ، ولسانا من جانب ؛ وهكذا حال سفراء اللّه إلى عباده وشفعائه يوم تناده . فلقلب النبيّ بابان مفتوحان : أحدهما - وهو الباب الداخلاني - إلى مطالعة اللوح والذكر الحكيم ، فيعلّمه علما يقينيّا لدنيّا ، من عجائب ما كان أو سيكون ، وأحوال العالم - في ما مضى وما سيقع - وأحوال القيامة والحشر والحساب ، ومآل الخلق إلى الجنّة أو النار ؛ وإنّما ينفتح هذا الباب لمن توجّه إلى عالم الغيب وأفرد ذكر اللّه على الدوام . والثاني : إلى مطالعة ما في الحواسّ ليطّلع على سوانح مهمّات الخلق ويهديهم إلى الخير ، ويردعهم عن الشرّ ؛ فيكون قد استكملت ذاته في كلتا القوّتين ، آخذا بحظّ وافر من نصيب الوجود والكمال من الواهب سبحانه بحيث يسع الجانبين ، ويوفي حقّ الطرفين . فيكون بما أفاضه اللّه على قلبه وعقله المفارق وليّا من أولياء اللّه وحكيما
--> ( 1 ) ر : عن .