الفيض الكاشاني

185

أنوار الحكمة

هذه الأقلام - من محو وإثبات - ففيه إثبات المحو ، [ وإثبات الإثبات ] ، ومحو المحو ، ومحو الإثبات على وجه أرفع ؛ فصورته مقدّسة عن المحو والتغيّر ، لأنّ نسبة القلم الأعلى إلى هذه الأقلام كنسبة قوّتنا العقليّة ، إلى مشاعرنا الخياليّة والحسيّة ، ونسبة اللوح المحفوظ إلى هذه الألواح كنسبة الإرادة الكليّة لمطلوب نوعيّ ، إلى إرادات جزئيّة وقعت في طريق تحصيله في ضمن واحد منه . نور [ الكتب والكلمات الإلهيّة ] ثمّ إنّ وجود تلك الصور الجزئيّة في موادّها الخارجيّة - التي هي أخيرة مراتب علمه تعالى - كلمات اللّه التي هي بمنزلة الحركات البنائيّة والإعرابيّة ، والمادّة الكلّيّة المشتملة عليها هي دفتر الوجود والبحر المسجور المملوّ بالصور ؛ كما أشير إليه في القرآن بقوله - عزّ وجلّ - : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ 18 / 109 ] . فلو كان بحر المادّة العنصريّة مدادا لكلمات ربّنا الوجوديّة ، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّنا ، ولو جئنا بمثله مددا من أبحر الموادّ الفلكيّة ، تثنية لقوله عزّ وجلّ : مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ 31 / 27 ] فهذه العوالم كلّها - كلّيها وجزئيّها - كتب إلهيّة ودفاتر سبحانيّة لإحاطتها بكلمات اللّه التامّات . فعالم العقول المقدّسة والنفوس الكلّيّة كلاهما كتابان إلهيّان ، ويقال للعقل الأوّل « أمّ الكتاب » لإحاطته بالأشياء إجمالا ، وللنفس الكلّيّة الفلكيّة « الكتاب المبين » لظهورها فيها تفصيلا ، وللنفس المنطبعة في الجسم الفلكيّ « كتاب المحو والإثبات » لوقوعهما فيها ، وأعيان الموجودات هي آيات تلك الكتب : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [ 10 / 6 ] .