الفيض الكاشاني
177
أنوار الحكمة
فكلّ منها بما هو كلام اللّه نور من أنواره المعنويّة نازل من لدنه ، ومنزله الأوّل قلب من يشاء من عباده المحبوبين ، كما قال : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [ 42 / 52 ] ، وقال : بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [ 17 / 105 ] . وبما هو كتاب نقوش وأرقام فيها آيات وأحكام نازلة من السماء نجوما على صحائف قلوب المحبّين وألواح نفوس السالكين وغيرهم ، يكتبونها في صحائفهم وألواحهم بحيث يقرؤها كلّ قار ، ويعمل بأحكامها كلّ عامل موفّق ، وبه يهتدون . ويتساوى في هداها الأنبياء والأمم ، كما قال : وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ [ وَالْإِنْجِيلَ ] * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ [ 3 / 3 - 4 ] . وقال : وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ [ 5 / 43 ] . وكما أنّ الكلام يشتمل على الآيات - تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ [ 2 / 252 ] - فكذا الكتاب يشتمل عليها أيضا : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ [ 12 / 1 ] . والكلام إذا تشخّص وتنزّل صار كتابا ، كما أنّ الأمر إذا تنزّل صار فعلا ، كقوله : كُنْ فَيَكُونُ [ 36 / 82 ] . ومن هنا قيل : الكلام بسيط أمريّ دفعيّ ، والكتاب مركّب خلقيّ تدريجيّ ؛ وعالم الأمر خال عن التضادّ والتكثّر والتجدّد والتغيّر ، كما قال - عزّ وجلّ - : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ 54 / 50 ] وقال : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » [ 16 / 40 ] . وأمّا عالم الخلق فمشتمل على التضادّ والتكثّر : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ 6 / 59 ] .
--> ( 1 ) في النسختين : انما أمرنا . . . والتصحيح من القرآن الكريم .