الفيض الكاشاني

175

أنوار الحكمة

الجزئيّة ، والشريعة تحرّك النفوس وقواها إلى ما وكلت به في عالم التركيب من مواصلة نظام الكلّ ، وتذكّرها معادها إلى العالم الأعلى الإلهيّ ، وتزجرها الانحطاط إلى الشهوة والغضب وما يتركّب منهما ويتفرّع عليهما ؛ وإنّما تصدر عن العقول الكليّة الكاملة . فأفعال السياسة جزئيّة ناقصة مستبقاة بالشريعة ، مستكملة بها ؛ وأفعال الشريعة كليّة تامّة غير محوجة إلى السياسة . وأيضا فإنّ أمر السياسة مفارق عن ذات المأمور ، وأمر الشريعة لازم لها ؛ مثاله أنّ السياسة تأمر بالتجمّل - وهو لأجل الناظرين - والشريعة تأمر بالصلاة والصوم ونحوهما ممّا يعود نفعه إلى نفس المكلف . وبالجملة فالسياسة للشريعة بمنزلة الجسد للروح ، والعبد للمولى ، تطيعها مرّة وتعصيها أخرى ، فإذا أطاعتها انقاد ظاهر العالم باطنه ، وقامت المحسوسات في ظلّ المعقولات ، وتحرّكت الأجزاء نحو الكلّ ، وكانت الرغبة في الباقيات الصالحات ، والزهادة في الفانيات البائدات ، ويكون حال الإنسان عند ذلك الراحة من المؤذيات ، والفضيلة المؤدّية به إلى الخيرات المكتسبة بالعادات المحمودة ، وكان كلّ يوم يمضي عليه أفضل من أمسه . وإذا عصت السياسة للشريعة تآمرت الإحساس على الآراء ، وزال الخشوع للأسباب البعيدة العالية ، ووقع الإخلاص للعلل القريبة ، ورأى الملوك أنّ بهم وبأفعالهم نظام ما ملكوه ، وبقاء ملكهم ؛ ولم يعلموا أنّهم إذا أهملوا إقامة الشرائع وبذلوا جهدهم للمحسوس ومنعوا نصيب الجزء الأشرف ، يتحرّك عليهم قيّم العالم ليردّ ما أفسدوا من نظامهم ، ويعيد ما حرّفوا وبدّلوا إلى مقامه .