الفيض الكاشاني

137

أنوار الحكمة

وقد يكون الواحد منهم ذا قوى متعدّدة يفعل بكل قوّة فعلا من الأفاعيل ، وتلك القوى ملائكة أخرى مسخّرة تحت سلطانه - كأنّها أجزاؤه وجوارحه وأجنحته - وهو جهة وحدتها والمشتمل عليها كلّها . وذلك لأنّ الملائكة كلّهم وحدانيّة الصفات ، ليس فيهم خلط وتركيب - البتّة - فلا يكون لكلّ واحد منهم بجهة واحدة وقوّة واحدة - إلّا فعل واحد - كما أشير إلى ذلك بقوله سبحانه حكاية عنهم : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ 37 / 164 ] . فلذلك ليس لهم تنافس وتقابل ، بل مثال كلّ واحد في مرتبته وفعله مثال الحواسّ ، فإنّ البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ، ولا الشمّ يزاحمهما ، ولا هما يزاحمان الشمّ . وهذا بخلاف اليد والرجل ، فإنّك قد تبطش بأصابع الرجل - بطشا ضعيفا - وقد تضرب غيرك برأسك « 1 » ، فتزاحم بذينك اليد التي هي آلة البطش والضرب ؛ وكذلك الإنسان الذي يتولّى بنفسه الأفاعيل المختلفة ، فإنّ هذا نوع من العدول والاعوجاج عن العدل ، سببه اختلاف صفات الإنسان واختلاف دواعيه ، فإنّه ليس وحدانيّ الصفة ، فلم يكن وحدانيّ الفعل ؛ فلذلك تراه يطيع اللّه تارة ، ويعصيه أخرى ، لاختلاف دواعيه وصفاته . وذلك غير ممكن في طبائع الملائكة ، بل هم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقّهم ، فلا جرم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ 66 / 6 ] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ 21 / 20 ] ؛ والراكع منهم راكع أبدا ، والساجد ساجد أبدا ، والقائم قائم أبدا . تمثيل [ طاعة الملائكة ] إنّ طاعتهم للّه - عزّ وجلّ - من حيث لا مجال للمخالفة فيهم يمكن أن

--> ( 1 ) مل : برأسه .