الفيض الكاشاني

13

أنوار الحكمة

على هذا التقدير مستغن بالغير ، فإمّا أن يتسلسل ، أو يدور ؛ وعلى التقديرين ، جاز انتفاء الكلّ بأن لا يوجد شيء منها أصلا ؛ فلا بدّ من مرجّح خارج عنها يرجّح وجودها ؛ وهو الغنيّ بالذات وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ 47 / 38 ] . ولقد كفى لا ولي البصائر النظر إلى الوجود من حيث هو وجود ، فإنّه إن كان قائما بذاته غير متعلّق بغيره أصلا ، فهو اللّه تعالى ؛ وإن كان قائما بغيره ، وذلك الغير يكون وجودا أيضا - إذ غير الوجود لا يكون مقوّما للوجود ، كيف وهو محتاج إلى الوجود - فننقل الكلام إليه ، وهكذا إلى أن يتسلسل أو يدور ، أو ينتهي إلى وجود قائم بذاته ، غير متعلق بغيره أصلا . ثمّ جميع تلك الوجودات - المتسلسلة أو الدائرة - في حكم وجود واحد في تقوّمها بغيره ، وهو اللّه القيّوم - جلّ ذكره - . قال اللّه سبحانه : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ 41 / 53 ] . وسئل نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بم عرفت اللّه ؟ قال « 1 » : « باللّه عرفت الأشياء » . نور [ الوجود والعدم ] الوجود البحت الخالص هو اللّه سبحانه ، والعدم البحت لا ذات له ولا أثر ولا تميّز ، بل هو لا شيء محض ؛ والوجود المشوب بالعدم هو المعبّر عنه في الشرع ب « الماء العذب » : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ 11 / 7 ] ؛ وهو أول مخلوق خلقه اللّه عزّ وجلّ « 2 » ؛ ويتبعه العدم المشوب بالوجود - أعني المتميّز به ولو بنسبته إليه أو كونه قوّة له ، المعبّر عنه ب « الملح الأجاج » وهو مخلوق بالعرض من غير

--> ( 1 ) راجع ما يجيء في ص 26 - 27 . ( 2 ) كما ورد في عدة من الروايات ؛ منها ما في كتاب التوحيد ( 67 ، باب التوحيد ، ح 20 ) عن الباقر عليه السلام : « . . . فأول شيء خلقه من خلقه الشيء الذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء » .