الفيض الكاشاني

122

أنوار الحكمة

وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » - قال : - « الشقيّ من شقي في بطن أمّه ، والسعيد من سعد في بطن أمّه » . والأخبار في هذا المعنى كثيرة . نور سريّ [ القضاء والقدر في المأثور ] لمّا كانت الحكمة الإلهيّة تقتضي أن يكون العبد معلّقا بين الرجاء والخوف ، الذين بهما تتمّ العبوديّة ، جعل اللّه كيفيّة علمه وقضائه وقدره وسائر الأسباب غائبة عن العقول ، وجعل الدعوات والطاعات - وما يجري مجرى ذلك - مناط التكليف وملاك العبوديّة ليتمّ المقصود . وهذا أحد الطرق في تصحيح القول بالتكاليف مطلقا ، مع الاعتراف بإحاطة علم اللّه ، وكون الأقدار جارية والأقضية سابقة في الكلّ . نقل أنّه جاء سراقة بن مالك إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال « 2 » : « يا رسول اللّه ، بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن ، ففيم العمل اليوم ؟ فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير ، أم فيما يستقبل » ؟ قال : « بل فيما جفّت به الأقلام ، وجرت به المقادير » . قال : « ففيم العمل » ؟ قال : « اعملوا ، فكلّ ميسّر لما خلق له ، وكل عامل بعمله » . فعلّقنا بين الأمرين : رهّبنا بسابق القدر ، ثمّ رغّبنا في العمل ، ولم يترك أحد الأمرين للآخر ، فقال : « كلّ ميسّر لما خلق له » ، يريد أنّه ميسّر في أيّام حياته للعمل الذي سبق إليه القدر قبل وجوده ؛ ولم يقل « مسخّر » لكيلا يغرق في لجّة القضاء والقدر .

--> ( 1 ) التوحيد : باب السعادة والشقاوة : 356 ، ح 3 . ( 2 ) مسلم : كتاب القدر : باب ( 1 ) كيفية خلق الآدمي . . . ، 4 / 2040 ، ح 8 .