الفيض الكاشاني

110

أنوار الحكمة

سرّ [ الإنسان مجبور على الاختيار ] قد دريت أنّ كلّ ما يوجد في هذا العالم ، فقد قدّر بها - يأته وزمانه في عالم آخر قبل وجوده ، وقد ثبت أنّ اللّه - سبحانه - قادر على جميع الممكنات ، ولم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وإيجاده - بواسطة أو بغير واسطة - وإلّا لم يصلح لمبدئيّة الكلّ . فالهداية والضلالة ، والإيمان والكفر ، والخير والشرّ ، والنفع والضرّ ، وسائر المتقابلات كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيئته ؛ إمّا بالذات أو بالعرض . فأعمالنا - كسائر الموجودات وأفاعيلها - بقضائه وقدره ، وهي واجبة الصدور منّا بذلك ، ولكن بتوسط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا وسكناتنا ، وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا ، الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا . فاجتماع تلك الأمور - التي هي الأسباب والشرائط - مع ارتفاع الموانع ، علّة تامّة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبّر ، والمقضيّ المقدّر ؛ وعند تخلّف شيء منها أو حصول مانع ، بقي وجوده في حيّز الامتناع ، ويكون ممكنا وقوعيّا بالقياس إلى كلّ واحد من الأسباب الكونيّة . ولمّا كان من جملة الأسباب - وخصوصا القريبة منّا « 1 » - إرادتنا وتفكّرنا وتخيّلنا ، وبالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل والترك ، فالفعل اختياريّ لنا « 2 » فإنّ اللّه أعطانا القوّة والقدرة والاستطاعة ، ليبلونا أيّنا أحسن عملا ، مع إحاطة علمه . فوجوبه لا ينافي إمكانه ، واضطراريّته لا تدافع كونه اختياريّا .

--> ( 1 ) مل : منها . ( 2 ) مل : - لنا .