الشيخ محمد زاهد الكوثري

70

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

ثم الغريب ممن لا يرى الحجة في أحاديث الصحيحين والسنن والمسانيد والجوامع والمصنفات ، كيف يحتجّ بأقوال أناس من المتأخرين وبينهم من لم ينشف حبر ما كتبه بعد ؟ ! ! فابن الصلاح إن كان حجة عنده فيما يقوله في المتواتر ، يكون حجّة أيضا فيما يقوله في الصحيحين ، وهو يقول في مقدمته بالقطع بصحة أحاديثهما ، وحديث نزول عيسى مما اتّفقا على روايته ، فوقع الحقّ وبطل ما كانوا يعملون . والواقع أنّ قول ابن الصلاح إنما هو في الواتر اللفظي ، فلا يمسّ كلامه كلامنا من قرب ولا بعد ، ثم ظنّه ندرة التواتر اللفظي خلاف الواقع كما توسّع في بيان ذلك الحفّاظ بعده أمثال الزين العراقي وابن حجر والسخاوي والسيوطي وغيرهم ، فأبانوا الدليل وأوضحوا السبيل ، ونقل نصوصهم هنا يخرجنا إلى التوسع فيما يعلمه صغار طلبة العلم . ولا يستطيع أحد أن ينكر كثرة التواتر المعنوي باشتراك الأحاديث في معنى خاص ، والتواتر في حديث نزول عيسى عليه السلام ، تواتر معنوي حيث تشاركت أحاديث كثيرة جدا ، بينها الصّحاح والحسان بكثرة في التصريح بنزول عيسى ، مع اشتمال كل حديث منها على معاني أخرى ، وهذا ما لا يستطيع إنكاره أحد ممن شمّ رائحة علم الحديث . وليس الاختلاف في شروط التواتر أو الإجماع مما يوهن أمر أحدهما لأن الاختلاف في شيء لا يوجب عدم الجزم بشيء فيه ، والاختلاف بعقل وبدون عقل شأن البشر ، وقد اختلف الناس في اللّه وفي رسوله وفي كل شيء ، ولم يمنع ذلك من الجزم بالحقائق بعد تمحيص الأقوال . فالاستناد في توهين أمر الإجماع أو التواتر ، على الاختلاف في شرط قبول كلّ منهما ، لا يكون إلا من ضيق العطن وجمود القرحية ، وقد استقرّ عند أهل العلم بأدلة ناهضة ملموسة ، أنّ التواتر ليس في حاجة إلى عدد خاص من خمسة فما فوقها ، بل إلى مجرّد ورود الخبر عن أناس تحيل العادة تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات ، وهذا النوع من الخبر في غاية الكثرة لكثرة طرقه في دواوين الحديث . وما نصّ أهل الشأن على تواتره يكون كثير الطرق في كتب الصحاح والسنن والجوامع والمسانيد والمصنفات والأجزاء والتواريخ ، ويكون كيان أسانيده من صحاح وحسان وضعاف من جهة قلة الضبط منجبر ضعفها بأدلة تدلّ على ضبط من رمي بقلة الضبط ، بموافقة الثقات الأثبات له في الرواية ، فتكون الضّعاف مغمورة بين تلك