الشيخ محمد زاهد الكوثري
62
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزّمر : 42 ] ، وجلّ كلام اللّه من أن يقع فيه لغو . ولا تعويل في تفسير كتاب اللّه على تخاطب اليوم بل على التخاطب في عهد التنزيل كما لا يخفى . والرسالة مثلا تستعمل بمعنى الواجب اليوم ، استعمالا شائعا منذ زمن غير بعيد ، فحاشا أن نفهم من الرسالة الواردة في نصوص الكتاب والسنة هذا المعنى بتلك المناسبة ، فنلغي معنى الوحي والرسالة من اللّه سبحانه ، لأنّ مسايرة التطوّر في اللغة في تطوير معاني الكتاب الحكيم ، تكون تحريفا للكلم عن مواضعه حتما . وأما قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [ النّساء : 159 ] ، فالضميران في بِهِ و مَوْتِهِ يعودان على عيسى ، لأنه المتحدّث عنه في السّياق ، ولأنّ عود أحدهما على غير ما يعود عليه الآخر فيه تشتيت للضمائر ، وهذا مما ينزه عنه الكتاب الكريم ، ولذا قال أبو حيان - وأنت تعرف منزلته في العربية - « والظاهر أنّ الضميرين في به ، وموته عائدان على عيسى ، وهو سياق الكلام ، والمعنيّ : من أهل الكتاب : الذين يكونون في زمان نزوله » ا ه ولا صارف عن الظاهر . وقال ابن كثير : « وهذا القول هو الحقّ كما سنبينه بالدليل القاطع إن شاء اللّه تعالى ، لأنه المراد من سياق الآي في بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلّم لهم من النصارى الجهلة ذلك ، فأخبر اللّه أنه لم يكن الأمر كذلك ، وإنما شبّه لهم ، فقتلوا الشّبه وهم لا يتبيّنون ذلك ، ثم إنه رفعه إليه وأنه باق حيّ ، وأنّه سينزل قبل يوم القيامة ، كما دلّت عليه الأحاديث المتواترة » اه . ثم ساق أحاديث كثيرة في النزول ، في ( 1 - 578 ) كما فعل مثل ذلك في باب الملاحم والفتن في أواخر « تاريخه » في القسم غير المطبوع منه « 1 » . وكلام ابن جرير واضح جدا في تعيين إرجاع الضميرين إلى عيسى رواية ودراية ، وكذا ما ذكرناه في العدد ( 34 - 1361 ه ) في هذا الصدد . وقد صحّ عن أبي هريرة في « الصحيحين » إرجاعهما إليه ، كما صحّ عن ابن عباس في رواية محمد بن بشار ، عن ابن مهدي ، عن الثوري ، عن أبي حصين ، عن ابن جبير ، عنه عند ابن جرير وابن كثير ، وهذا سند كالجبل في الصحة ، بل الرواية مستفيضة عنه بطرق أخرى .
--> ( 1 ) ثم طبع هذا القسم من تاريخ ابن كثير باسم « النهاية » لابن كثير .