الشيخ محمد زاهد الكوثري

58

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

ولا نزال نمضي على مناصرة الحق بإذنه جلّ شأنه ، رغم كل صعوبة قائمة ، حتى ظهر للملإ أنه لو ابتغى نفقا في الأرض أو سلّما في السماء ، ليأتي برواية صحيحة ، عن أحد من علماء أهل الحق من صدر الإسلام إلى عهد متنبئ المغول ، ينفي ما ينفي كاتب المقال لما وجد إلى ذلك سبيلا ، ليقال : إنّ له زميلا في الشذوذ ، فضلا عن أن يتصوّر احتمال أن يكون الحقّ في جانبه ولو بمقدار نسبة الواحد إلى الألف . فيكفي في سقوط كلامه ظهور أنه قال ما لم يقله أحد من العالمين رحم اللّه الإمام زفر بن الهذيل حيث قال : « إني لا أناظر أحدا حتى يسكت ، بل أناظره حتى يجنّ ، قالوا : كيف ذلك ؟ قال : يقول بما لم يقل به أحد » ، كما رواه الصّيمريّ وغيره عنه . وأكتفي في الحديث عن الآيات التي نحن بصدد بيانها ، بلمحة يسيرة إليها هنا ، حيث أغنى عن التوسع فيها ما سبق توضيحه بقلم الأساتذة الرادّين على باطله ، فأقول : إنّ قوله تعالى : . . . وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ( 157 ) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النساء : 157 ، 158 ] نصّ في الرفع الحسي ، لأن حقيقة الرفع هي النقل من السّفل إلى العلو ، كما يقول أبو حيان الأندلسي في « البحر المحيط » ، ولا صارف عن الحقيقة حتى يجوز حمل الرفع هنا على رفع المكانة مجازا ، فيكون احتمال المجاز احتمالا غير ناشئ من دليل ، فيكون بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النّساء : 158 ] نصّا في الرفع الحسّي بل في الآية ما يردّ احتمال المجاز ردّا باتا من وجوه : أمّا أولا فإنّ السياق في تقرير بطلان ما قاله اليهود من قتله ، ببيان أنهم إنما قتلوا الشّبه ، فبرفعه الحسيّ يكون إنقاذ شخصه منهم ، فينسجم بذلك ما قبل « بل » بما بعدها ، ورفع المكانة مما لا ينافي القتل ، وكم من نبيّ قتل وهو رفيع المكانة ، فلا يصحّ دخول « بل » بينهما ، لانتفاء التضادّ بينهما . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم في « تفسيره » بسند صحيح إلى ابن عباس ، أنّ عيسى رفع من روزنة في البيت ، وساق ابن كثير السند في « تفسيره » 1 : 574 وهذا ليس مما يعلم بالرأي ، فيكون في حكم المرفوع عند جماعة أهل العلم . وأمّا ثانيا فإنّ حمل الرفع هنا على رفع المكانة لا يظهر له وجه اختصاص بهذا الموقف ، لأنّ أولي العزم من الرّسل يكون كلّ واحد منهم رفيع المكانة دائما .