الشيخ محمد زاهد الكوثري

54

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

على أنّ ابن عبد السلام له شطحات تسرّبت إليه من مطالعة بعض كتب ابن حزم ، التي أتى بها محيي الدين بن عربي إلى الشام ، فلا تزيد تلك الشطحات على أن تكون وهلة منه ، فلا يصحّ اتخاذها حجّة ، بل نرجو اللّه سبحانه أن يسامحه عليها . وأما ابن حزم فعلى بعض ميل منه إلى رأي الجاحظ في المسألة ، يرى إكفار المعاند بعد إقامة الحجة عليه ولو بخبر الآحاد ، فلا يلقى صاحب المقال بغيته عنده بل عند العنبري فقط ، وقد أقيمت الحجة بتوفيق اللّه وتسديده على كاتب المقال ، من كتاب اللّه وسنّة رسوله المتواترة وإجماع أهل الحق . وسبق أن أشرنا إلى أن الاحتمالات غير الناشئة من الدليل لا تخلّ بكون دلالة النصوص قطعية ، وذكرنا بعض ما ألّف في إثبات تواتر حديث النزول ، ونقلنا بعض نصوص أصحاب الشأن في تواتره وفي الإجماع على نزوله ، والمعاند بعد هذا يكون في موقف أخطر من التأثيم فقط ، ولذا صرّح السيوطيّ بتكفير منكر النزول في « الإعلام » المطبوع في ضمن « الحاوي » له 2 : 1660 ، وهو على القاعدة في إنكار ما تواتر في الشرع . وليس أئمة هذه الأمة وعلماؤها من الصدر الأول إلى اليوم ، يجهلون معنى « العقيدة » ، وهم قد دوّنوا مسألة النزول في كتبهم في العقائد على توالي القرون ، قبل أن يخلق صاحب « الجوهرة » وصاحب « الخريدة » بدهور ، رغم أنف كلّ مكابر . على أنّ مسألة نزول عيسى عليه السلام ليست من المسائل التي جرّت إليها المناقشات مثل الاستطاعة ، وخلق القرآن ، وزيادة الصفات ، بل هي ثابتة بنصوص الشرع مباشرة ، فلا يمكن لمن يدين بالكتاب والسنة والإجماع أن ينكرها ، فيكون لفّ الكاتب ودورانه واستقعاده لقواعد وصنوف مغالطاته إطالة للكلام بدون جدوى غير انكشاف حاله كلّ الانكشاف عند الجميع . وحديثنا عن بضع تشكيكاته في الآيات يكون في فصل مفرد إن شاء اللّه تعالى ، وليس جهل الكاتب لدليل المسائل مما يوجب أن يجهله العالمون ، وتبجّحه بفهم معنى « العقيدة » لا يكسبه فخرا بعد أن جهل الدليل ، وجهل حصول العقد الجازم بالبرهان مرة ، وبالأدلة الإقناعية ، أو خبر الآحاد أو التقليد مرة أخرى . قال علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري في « شرح أصول فخر الإسلام البزدوي » : « اعتقاد القلب فضّل على العلم ، لأنّ العلم قد يكون بدون عقد القلب ،