الشيخ محمد زاهد الكوثري

46

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

وصدّق اللورد كرومر قول المستشار القضائي في الشيخ : « قام لنا بخدم جزيلة لا تقدّر ، في مجلس شورى القوانين ، في معظم ما أحدثناه أخيرا من الإصلاحات المتعلقة بالموادّ الجنائية وغيرها ، من الإصلاحات القضائية » ! ! وقال اللورد أيضا : « وفي سنة 1899 رقّي إلى منصب الإفتاء الخطير الشأن ، فأصبحت مشورته ومعاونته في هذا المنصب ذات قيمة ثمينة ، لتضلّعه من علوم الشرع الإسلامي ، مع ما به من سعة العقل واستنارة الذهن » ، ثم ذكر كمثال فتواه في تثمير الأموال في صناديق التوفير . وقد طال أمد الصداقة بين الشيخ وبين اللورد كرومر ، فعرف كلّ منهما صاحبه ، فإذا انتقد مثله بعض نواحي الانتقاد في الشيخ ، لا يتّهم بغرض ، بل يعدّ منصفا ، ما غطّت صداقته على حقيقة أمر صديقه ، فدونك ما يقوله في « مصر الحديثة » ، على ما تجد في المجلد الحادي عشر من المنار ( ص 94 ) : « وأخشى أن يكون صديقي محمد عبده في حقيقة أمره ( لا أدريّا ) ولو أنه يستاء منه لو نسبت إليه » . ثم يأخذ عليه حديثه مع جمال الدين بشأن الخديو إسماعيل كما في ( ص 96 ) من المجلد المذكور . وأقرب الناس إلى الشيخ ما كان ينكر تساهل الشيخ في الإفتاء ، ويأخذ عليه أنجب تلاميذه المنفلوطيّ في « النظرات » فتحه لباب التأويل على مصراعيه « 1 » ، بل يستبعد كثير من الناس التجرؤ على المسائل المتوارثة ممن يرى قداسة الشرع . والواقع أن للشيخ أطوارا في العلم والعمل والاتجاه ، فوجهته في عهد « العروة الوثقى » غير وجهته بعد اتصاله بزعيمه ، كما ذكره مصطفى عبد الرازق باشا في « الشباب » . واتجاهه يوم رفع اللائحة إلى شيخ الإسلام العثماني غير اتجاهه فيما بعد ، وقد ذكرت صفحة منها في العدد ( 19 - 1362 ه ) من مجلة الإسلام ، ومن طالع « الواردات » و « العقيدة المحمدية » و « حاشية الدّوّاني على العضدية » و « فتاواه » وما نقل عنه في التفسير ، و « رسالة التوحيد » ، لا يصعب عليه فهم أطواره . وتصوّره الخطاب إلى الحس في دين ، وإلى القلب في دين آخر ، وإلى العقل في دين الإسلام فقط : خيال شاعر يأباه قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [ الأنعام : 83 ] وغيره من الآيات ، بل كلّ دين إلهي إنما يكون الخطاب فيه إلى العقل

--> ( 1 ) انظر في الجزء الأول من « النظرات » مقالة ( يوم الحساب ) ففيها نقد المنفلوطي لشيخه محمد عبده بأسلوب أدبي لاذع .