الشيخ محمد زاهد الكوثري
378
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
واللفظ الثاني : « تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد » من غير لفظ الحصر . اللفظ الثالث : « إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد : مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيلياء » وإيلياء بيت المقدس . وهذه الروايات ذكرها مسلم في فضل المدينة من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه وذكر قبل ذلك في سفر المرأة من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه « لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى » وهذا بصيغة النهي والثلاثة الأول بصيغة الخبر وبصيغة النهي ، رواه الطبراني من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما « لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد إبراهيم ومسجد محمد ومسجد بيت المقدس » وهذا اللفظ رواه ابن راهويه في مسنده من حديث أبي سعيد رضي اللّه عنه . هذا ما يتعلق بلفظ الحديث وأما ما يتعلق بمعناه وما يدل عليه فاعلم أن الاستثناء في الحديث مفرغ كما هو واضح ولا بد فيه من تقدير ، وهو شيئان : أحدهما : « لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاث » ولا بد من تقدير أحد هذين ليكون المستثنى مندرجا تحت المستثنى منه ، والتقدير الأول وهو « لا تشد الرحال إلى مسجد » أولى من التقدير الثاني وهو « لا تشد الرحال إلى مكان » لأنه على التقدير الأول جنس قريب لما فيه من قلة التخصيص ، لأن التخصيص على تقدير إضمار الأمكنة أكثر فيكون مرجوحا ، ولو خطر بالبال تقدير العموم في الحديث لكان خيالا فاسد « 1 » المسافة وللقرينة اللفظية فيه ولدخول التخصيص بالأدلة السمعية والعملية الكثيرة جدا ، أما سياقه فلأن الحديث إنما ورد لبيان شرف هذه المساجد الثلاثة « 2 » وخيرتها على غيرها من المساجد كما مر من أنها مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولهذا تضاعف الأعمال فيها ما لا تضاعف في غيرها ، والمتكلمون على الحديث إنما يتكلمون في ذلك ونحوه من لزوم النذر المتعلق بها دون الزيارات ، ولهذا لما تكلم بعض المتأخرين على الحديث وأدرج ذكر الزيارة اعترض عليه في ذكر الزيارة وقيل : لم يرد الحديث لذلك وإنما ورد لبيان شرف هذه المساجد دون غيرها وهذا كاف في بطلان الاحتجاج بالحديث لمنع زيارة القبور والزيادة على ذلك إنما هو على وجه التنزل ، فمن احتج بالحديث لمنع الزيارة ينبغي أن لا يرسم في حزب
--> ( 1 ) قوله : فاسد المسافة ، ينبغي أن يكون فاسد المشاقة كما هو ظاهر ، اه مصححه . ( 2 ) صوابه وخيريتها كما لا يخفى ، اه مصححه .