الشيخ محمد زاهد الكوثري
354
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
وذكر القرطبي في تفسيره عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : قدم علينا أعرابي بعد ما دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه ثم قال : قلت يا رسول اللّه فسمعنا قولك ووعيت عن اللّه عزّ وجل فوعينا عنك وكان فيما أنزل عليك وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [ النّساء : 64 ] الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر قد غفر لك وهذه القصة غير قصة العتبى وقصة العتبى مشهورة في غاية الشهرة وقد ذكرها الأئمة في كتبهم قديما وحديثا وكنية العتبى أبو عبد الرّحمن واسمه محمد بن عبد اللّه بن عمرو وكان من أفصح الناس وصاحب أخبار وصاحب رواية للآثار . حدّث عن أبيه وعن ابن عيينة وقد ذكر قصته خلائق منهم ابن عساكر في تاريخه وذكرها الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه ( مثير الغرام الساكن ) وذكرها غيرهما بالأسانيد . وممن ذكرها الإمام العلامة المتفق على علمه ودينه وزهده أبو زكريا يحيى بن شرف النووي قدّس اللّه روحه ونوّر ضريحه قال في زيارة قبره : إنها من أعظم القربات وأفضل المساعي والطلبات وإذا انتهى إلى قبره وقف قبالة وجهه ويتشفع به إلى ربه ومن أحسن ما يقوله ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له . قال العتبي : كنت جالسا عند قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول اللّه سمعت اللّه يقول : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [ النّساء : 64 ] وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول : يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال : فرأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم فقال : يا عتبى الحق الأعرابي فبشره بأن اللّه قد غفر له ، وفي رواية غيره : الحق الأعرابي وبشره بأن اللّه قد غفر له بشفاعتي فخرجت فلم أجده فأفاد النووي قدس اللّه تعالى روحه أن أصحاب الشافعي استحسنوا ذلك وحكوه عن غيرهم وأفاد شمول الآية للحياة والممات وأنه يستشفع به إلى ربه وساق ذلك مساق ما هو متفق عليه ولم يتعرض لذلك أحد بالإنكار في سائر الأعصار وزدت أنا هذين البيتين لعلي يلحقني نصيب من شفاعته وهما : وفيه كل خصال الحمد قد جمعت * فلذ به فهو من ترعى له الذمم وهو الذي يرتجى في كل معضلة * وفي المعاد إذا زلّت بنا القدم