الشيخ محمد زاهد الكوثري
27
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
1 - أن ابن جرير يذكر احتمالين في الآية ، ويذكر الآثار الدالة لكل منهما ويصل بالرأي الثاني إلى ابن عباس ومجاهد وغيرهما ، فكيف يعد نصا قاطعا غير محتمل لأكثر من معنى ما خالف فيه ابن عباس ومجاهد وغيرهما ؟ 2 - أن ابن جرير كما وجه الرأي الذي اختاره وجه الرأي الثاني أيضا « بأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه » وهذا فيما أرى هو الذي جعل ابن جرير يقتصد في التعبير عن ترجيح ما اختاره فيقول : « وأولى الأقوال » بدل أن يقول مثلا : والرأي الصحيح . 3 - إن يكن ابن جرير قد رجح أحد المعنيين فقد رجح غيره من العلماء المعنى الآخر ومنهم الإمامان : النووي والزمخشري وغيرهما . قال ابن حجر في فتح الباري : « ورجح جماعة هذا المذهب - يريد الثاني - بقراءة أبي بن كعب : « إلا ليؤمننّ به قبل موتهم » أي أهل الكتاب ، قال النووي : معنى الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى وأنه عبد اللّه وابن أمته ، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان في تلك الحالة كما قال تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [ النّساء : 18 ] ثم قال : وهذا المذهب أظهر ، لأن الأول يخص الكتابي الذي يدرك نزول عيسى ، وظاهر القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وقبله » . وقد ذكر صاحب الكشاف قريبا من هذا وأطال فيه ونقله عنه الإمام الرازي في تفسيره فليرجع إليهما من شاء . بهذا يتبين : 1 - أن هذه الآية ليست نصّا في معنى واحد حتى تكون دليلا قاطعا فيه . 2 - أن ما تمسك به ابن جرير في ترجيحه للرأي الأول غير مسلم له ، فقد بناه على أن المراد بالإيمان في الآية هو الإيمان المعتبر الذي ينفع صاحبه وتترتب عليه الأحكام ، مع أنه إيمان - كما قرره العلماء ، ومنهم ابن جرير نفسه - لا يعتد به ولا يقام له وزن ولا تترتب عليه أحكام لأنه إيمان جاء في غير وقته . 3 - أن من ينظر فيما تمسك به أصحاب المذهب الثاني : من العموم الواضح في قوله : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [ آل عمران : 199 ] ومن قراءة أبي « إلا ليؤمنن به قبل موتهم » ومن أن إيمان المعاينة لا ينفع صاحبه عند الجميع ، لا يسعه إلا أن