الشيخ محمد زاهد الكوثري

25

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

وهذا كلام لا يقال ، فإن وجاهة عيسى في الدنيا هي الرسالة المؤيدة بالمعجزات البينات وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 ) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آل عمران : 48 ، 49 ] فكيف تذكر بجانب هذه الوجاهة قصة الرفع إلى السماء التي يرغمون هذه الآية على إفادتها أو الإشارة إليها ؟ وكيف يكون وجيها في الدنيا من غادر الأرض وترك أهلها الذين يحسون وجاهته ؟ وهكذا ينتزع القوم من كل عبارة إشارة أو تلميحا ليؤيدوا ما زعموا أنه عقيدة يكفر منكرها ؟ النوع الثالث : آيتان قد اختلفت آراء المفسرين في بيان المراد منهما ، وجاء في بعض ما قيل : إنهما تدلان على نزول عيسى وهما : 1 - قوله تعالى في سورة النساء : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [ النّساء : 151 ] . 2 - وقوله تعالى في سورة الزخرف : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها [ الزّخرف : 61 ] . ما غاب عنا ، وقت أن كتبنا الفتوى ، النظر في هاتين الآيتين وفي درجة دلالتهما على نزول عيسى ، وما غاب عنا ما ذكره المفسرون من الآراء والأفهام المختلفة فيهما ، وما كنا نحسب - ونحن بصدد البحث عن دليل قاطع يحكم بالكفر على مخالفه - أن أحدا يعرض لهاتين الآيتين وقد رأى فيهما ما رأينا من أقوال المفسرين المختلفة في ذاتها ، والمختلفة في ترجيحها ، فيقول إنهما نصّان قاطعان في نزول عيسى ! ولذلك آثرنا إذ ذاك أن نترك الكلام عليهما اكتفاء بظهور درجتهما في الدلالة لكل من يقرأ شيئا من كتب التفسير . ولكنهم أبوا إلا أن يذكروا هاتين الآيتين ويزعموا أنهما تدلان دلالة قاطعة على نزول عيسى ، فلسنا نجد بدا من أن نضع بين يدي القراء خلاصة لآراء المفسرين فيهما . ثم نقفي على ذلك بما نرى ليتبين الحق واضحا : الآية الأولى : للمفسرين في هذه الآية آراء مختلفة وأشهرها رأيان : الأول : أن الضمير في بِهِ و مَوْتِهِ لعيسى . والمعنى : ما من أحد من أهل الكتاب يهوديهم ونصرانيهم إلا ليؤمنن بعيسى قبل أن يموت عيسى . قالوا : أخبرت هذه الآية أن أهل الكتاب سيؤمنون بعيسى قبل موته ، وهم لم يؤمنوا به إلى الآن على الوجه الذي طلب منهم ، فلا بد أن يكون عيسى إلى الآن حيّا ، ولا بد أن يتحقق هذا الإيمان به قبل موته ، وذلك إنما يكون عند نزوله آخر الزمان .