الشيخ محمد زاهد الكوثري

217

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

والجواب الثاني : أن اللّه تعالى علّق جواز الرؤية على أمر جائز ، ولو كانت مستحيلة لما علقها على أمر يجوز أن يوجد ، وهو استقرار الجبل ، فلما كان استقرار الجبل من الجائز دلّ على أن الرؤية جائزة . فإن قيل : أليس قد قال موسى عليه السلام : تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] قالوا : والتوبة إنما تكون من الخطأ ، فلما علم عليه السلام أنه أخطأ تاب ، فالجواب من أوجه : أحدها : أن موسى عليه السلام لما رأى الآية من جعل الجبل دكا ، وصعوقه ، قال على جاري العادة من القول عند الفزع تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] وإن لم يكن سؤاله مستحيلا ، وهذا كما أن الواحد منا إذا سمع صوت الرعد العظيم ، أو رأى الظلمة العظيمة ، أو أمرا هائلا فزع عند ذلك إلى التوبة والاستغفار ، وإن لم يكن منه قبل ذلك معصية . أو سؤال مستحيل . وجواب آخر : وهو أنه يحتمل أن موسى عليه السلام ذكر عند هول ما رأى فيه النفس ، فجدّد التوبة منها وأكدها ، وإن لم يكن منه في هذه الحالة ذنب يتاب منه . جواب آخر : يحتمل أن يكون قال : تبت إليك للشدة التي أصابته عند سؤال الرؤية ، وإن كانت الرؤية جائزة . كما أن الواحد منا إذا ركب البحر وناله شدة وخوف من هوله وأمواجه ، أو سافر فلقي في سفره ما أتعبه وشقّ عليه يقول : أنا تائب من ركوب البحر ومن السفر ، وإن كان ركوب البحر والسفر جائزا غير محرم . ولا مستحيل ، وكذلك مسألتنا مثله . جواب آخر : يحتمل أن يكون قال : تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] من أن أسأل مثل هذا الأمر العظيم الجليل قبل الاستئذان فيه ، حتى يؤذن لي في السؤال ، ولهذا قيل عن موسى عليه السلام : إنه تأدب بعد ذلك ، فقال : يا رب أسألك في جميع أموري ؟ قال : نعم يا موسى اسألني في جميع أمورك حتى ملح عجين أهلك . جواب آخر : وهو أن موسى عليه السلام كانت إرادته وهمته تعجيل الرؤية له في الدنيا قبل الآخرة ، وكان مراد اللّه تعالى تأخير الرؤية له إلى الآخرة ، وأن لا يتقدم على نبينا صلى اللّه عليه وسلم في الرؤية ، فكأنه قال : تبت عن مرادي وهمتي إلى مرادك . وهذا صحيح ، لأن التوبة هي الرجوع ، فكأنه رجع عن مراده إلى مراد ربه . فاعلم ذلك . ويدل على صحة ما قدّمناه من قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] وقوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] وقوله :