الشيخ محمد زاهد الكوثري

205

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ] وهذا كقوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [ يس : 47 ] قالوا ذلك على سبيل التكذيب والاستهزاء ، لا على وجه الإيمان والاعتراف بأن اللّه قادر أن يطعمهم . فلذلك قالوا : ما في تلك الآية وجعلوه لهم حجة ، فجعله كذبا وأن حجتهم باطلة ، فصحّ ما قلناه . فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : 56 ] فالجواب من وجهين : أحدهما : أنه أراد بعض الجن والإنس . الذي يدل على صحة ذلك أن كثيرا من الجن والإنس يموت قبل أن يبلغ حد التكليف والعبادة ، وصار هذا كقوله تعالى لأصحاب نبيه صلى اللّه عليه وسلم : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [ الفتح : 27 ] وأراد البعض لا الكل ، لأن منهم من مات قبل الدخول وقتل قبل الدخول . الذي يقوي ذلك ويصححه : أنه قال في آية أخرى : فَرِيقاً هَدى [ الأعراف : 30 ] يعني إلى الطاعة وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 30 ] يعني عن العبادة والطاعة . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] وهم الذين لم يرد أن يطيعوه ، فأعلم ذلك . والجواب الثاني : أن المراد بذلك أن لا يقروا بالعبادة طوعا أو كرها ، وهذا قول ابن عباس ، وهو حسن ، لأن الكل لا بد أن يقروا بذلك ؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة . جواب آخر : وهو أن المراد بذلك إلا لآمرهم وأنهاهم ، وهذا قول مجاهد . فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصّلت : 17 ] فالجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن معنى هديناهم ، أي دعوناهم قاله [ سفيان ] وهذا صحيح ، لأن الهدى يكون بمعنى الدعاء ؛ قال اللّه تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [ الرّعد : 7 ] أي داع يدعوهم إلى الهدى ، وقال تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشّورى : 52 ] أي تدعو . الجواب الثاني : وَهَدَيْناهُمْ [ الأنعام : 87 ] أي بيّنّا لهم سبيل الهدى ، قاله قتادة ، وهذا صحيح ، يدل عليه قوله تعالى : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) [ البلد : 10 ] يعني بيّنّا له طريق الخير وطريق الشر . وقال الصديق رضي اللّه عنه لما كان هو والرسول