الشيخ محمد زاهد الكوثري

200

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

سما للمسموم به . فكما أن اللّه تعالى خلق الظلمة لليل والضياء للنهار ، والحمرة للأحمر ، والسواد للأسود ، والسم للحية ، ولا يوجب ذلك كونه ظلمة ولا ضياء ولا سوادا ولا حمرة ولا سما [ له ] فكذلك خلق الطاعة طاعة للطائع بها ، والكذب كذبا للكاذب به ، والجور جورا للجائر به ولا يوجب ذلك كونه جائرا ولا ظالما ولا كاذبا ، فصحّ ما قلناه وبطل ما قالوه . جواب آخر : وذلك أن الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل ، وإنما يكون كذبا إذا خالف الأمر ، وكذلك الجور والظلم ، وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمر أمره ، وناه نهاه ، وهم الخلق . وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه ، فلا يصح وصفه بشيء من هذا ، فاعلم ذلك وتحققه ، فإنه أصل قوي تدفع به جميع ظنونهم الفاسدة . فإن قيل : لا يجوز أن يقال للجور والكذب هذا خلق اللّه ، بل يعرض عن ذلك ، ولا يقال . فصحّ أنه خلق لغيره . فالجواب : أن هذا السؤال غير صحيح ، لأنك [ إن ] أردت الإطلاق في العموم ، فجائز بأن تقول : يا خالق المخلوقات ، ويا خالق الموجودات . ويا خالق كل شيء ، ويا خالق الضر والنفع . وإن أردت ذلك على الخصوص ، بأن تقول : يا خالق الكذب والجور ؛ فلا يجوز من طريق الأدب والإذن في ذلك ، كما أنا نقول يا خالق المخلوقات ، فيعم بذلك السماوات ، والأرض ، والشمس ، والقمر ، والقردة ، والخنازير ، والكلاب ، والجعلان ، وغير ذلك من سائر المخلوقات ، فلا يجوز أن تقول على الانفراد يا خالق الأقدار والأنجاس ونحو ذلك من طريق الأدب ، وأنه لم يؤذن لنا في ذلك ، بل ندعوه بأسمائه الحسنى كما أمر ، فقال : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] . مسألة [ وجوب العلم بأنه لا يجري في العالم إلا ما يريده اللّه تعالى ] اعلم أنه لا يجري في العالم إلا ما يريده اللّه تعالى ، وأنه لا يؤمن مؤمن ولا يكفر كافر إلا بإرادة اللّه تعالى ، ولا يخرج مراد عن مراده ، كما لا يخرج مقدور عن قدرته . وقالت المعتزلة ومن وافقهم من أهل البدع : إن اللّه تعالى لا يريد إلا الطاعة والإيمان ، فأما من كفر وعصى فقد أتى بما ليس بمراد للّه تعالى ، وقالوا : إن كل واحد يفعل من الأفعال ما لا يريده اللّه تعالى ، حتى انتهى بهم القول إلى : أن البهائم تفعل أفعالا لم يردها تعالى ، وأنه لو أراد فعل غيرها منهم لم يحصل ذلك له وامتنع