الشيخ محمد زاهد الكوثري
187
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
فصل [ تفسير قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من حفظ القرآن اختلط بلحمه ودمه » ] فإن احتجوا بخبر روي ؛ وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من حفظ القرآن فاختلط بلحمه ودمه . . . » قالوا : وهذا يدل على حلوله واختلاطه بلحوم الحفاظ ودمائهم في حال صغرهم . فالجواب عن هذا من أوجه : أحدها : أن هذا الحديث يرويه إسماعيل « 1 » بن رافع ، وعمر « 2 » بن طلحة ، وهما ضعيفان جدا ، لا يؤخذ بقولهما في هذا ولا غيره . الثاني : أن الصبيان الحفاظ للقرآن كثير ، وكلام اللّه تعالى قديم ، وشيء واحد ، فإذا اختلط بدم صبي ولحمه على زعمهم وامتزج واختلط فكيف يمتزج بلحم آخر ودمه ؛ إذا الشيء الواحد إذا اختلط وامتزج بشيء استحال امتزاجه بغيره ، نعوذ باللّه من هذا المذهب الذي يؤدي القول به إلى اختلاط الصفة القديمة وامتزاجها بدم المخلوقين ولحومهم ، ولعمري أن قول النصارى دون هذا ، لأن النصارى ؛ إنما تقول كلمة واحدة قديمة اختلطت بجسم واحد وهو جسم المسيح عليه السلام ، حتى صار الجسم لاهوتيا من أجل الكلمة ، ناسوتيا من جهة مريم عليها السلام ، فاختلط عندهم القديم بالمحدث اختلاط الماء باللبن ، فوافقتهم هذه المقالة الخبيثة ، وزادوا عليهم ، لأنهم قالوا : جسم واحد اختلط به القديم ، وهؤلاء يقولون اختلط القديم بألف ألف جسم وأكثر ، نعوذ باللّه من هذا القول الذي لا يقوله من له مسكة من حس وعقل . الجواب الثالث : أن هذا الحديث إن صح ، فمراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الحفظ في الصغر أجود وأثبت من الحفظ في حال الكبر ، ويعني باختلاطه باللحم والدم جودة الحفظ ، لا اختلاط المحفوظ الذي هو كلام اللّه القديم . وصار هذا كقوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [ البقرة : 93 ] يعني حب العجل ، لأن العجل لا يدخل ولا يحل في القلوب ، وإنما يدخل ويحل حبه . هذا أيضا كما يقال : التعليم في الصغر كالنقش في الحجر . والتعليم في الكبر كالنقش في المدر ، يريدون بذلك أن الحفظ في الصغر أثبت وأبقى منه في حال الكبر . * * *
--> ( 1 ) قال النسائي : متروك ( ز ) . ( 2 ) قال الذهبي : لا يكاد يعرف ( ز ) .