الشيخ محمد زاهد الكوثري

167

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

وكذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ [ الأعراف : 52 ] والذي جاءهم بالكتاب هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لكن لما كان مجيئه بالكتاب إليهم بأمره تعالى أضاف ذلك إلى نفسه ، والقرآن من هذا مملوء إذا تتبع . إنه يضيف الفعل إلى نفسه وإن كان الفاعل له غيره ، لما كان بأمره . وأما الدليل من كلام العرب ، فإنه يقال : نادى الأمير في البلد ، فيضاف النداء إليه لما كان بأمره ، وإن كان المنادي غيره ، فصحّ ما قلناه . ثم نقول لهم : أليس اللّه تعالى قال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : 3 ] أتقولون : إن اللّه تعالى قاصّ ؟ هذا قول لا يجوزه أحد من المسلمين ؛ لكن لما قصّ عليه جبريل عليه السلام بأمر اللّه تعالى أضاف القصص إلى نفسه ، لما كان بأمره ، وقد بيّن ذلك بقوله : بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [ يوسف : 3 ] فالقرآن كلامه وصفته ، وقصّ جبريل عليه السلام على الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالقرآن الذي تضمن قصص الأولين وأخبارهم . فإن احتجوا على أن القراءة هي المقروء بما روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « قرأ اللّه طه ( 1 ) [ طه : 1 ] و يس ( 1 ) [ يس : 1 ] قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ، فلما سمعت الملائكة قالوا : طوبى لأمة ينزل هذا عليها » قالوا : فأضاف القراءة إلى اللّه تعالى . فالجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أنه ذكر أن القراءة وجدت قبل السماوات والأرض بألفي عام ، ودل على أنها لم تكن موجودة ثم وجدت ، والمقروء القديم ليس لوجوده أولية ، بل هو موجود بوجوده تعالى ، فدلّ على الفرق بين القراءة والمقروء ، لأن المقروء موجود بوجوده تعالى . والجواب الثاني : أنه أمر بعض الملائكة أن يقرأ طه ( 1 ) [ طه : 1 ] و يس ( 1 ) [ يس : 1 ] قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام ، فلما سمعت الملائكة ذلك قالوا : وأضاف القراءة إلى نفسه . لما كانت بأمره ، فصار هذا كقوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزّمر : 42 ] والمتوفى هو ملك الموت ، بدليل قوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [ السّجدة : 11 ] لكن لما كان توفّيه لهم بأمره أضاف ذلك إلى نفسه . * * *