الشيخ محمد زاهد الكوثري
164
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
مجراها أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس . وله الحكم في الصدق والكذب دون الحروف والأصوات التي هي أمارات ودلالات « 1 » على الكلام الحقيقي . ويدل على ذلك من جهة السنة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه » . وهذا في حق المنافقين ، فأخبر صلى اللّه عليه وسلم أن الكلام الحقيقي هو الذي في القلب دون نطق اللسان ، وأن الحكم للكلام الذي في القلب على الحقيقة وأن قول اللسان مجاز قد يوافق قول القلب وقد يخالفه . وأيضا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الندم توبة » فأخبر صلى اللّه عليه وسلم : أن العاصي إذا نوى بقلبه الندم على المعصية منها أن ذلك حقيقة التوبة ، وأن استغفار اللسان تبع لذلك ، فصحّ أن الكلام الأصلي الحقيقي المعنى القائم بالنفس . وأيضا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تبارك وتعالى : إذا ذكرني عبدي في نفسه » فأثبت الذكر للنفس ، فالذكر والقول ، والكلام ، واحد ، فعلم أن حقيقة الكلام المعنى القائم في النفس . ويدل على ذلك أيضا قول عمر رضي اللّه عنه : زورت في نفسي كلاما فأتى أبو بكر فزاد عليه . فأثبت الكلام في النفس من غير نطق لسان ، وعمر كان من أجل هذا اللسان والفصاحة وهو أحد الفصحاء السبعة ، والعربي الفصيح يقول كان في نفسي كلام ، وكان في نفسي قول ، وكان في نفسي حديث ، إلى غير ذلك . وأنشد الأخطل : لا تعجبنك من أثير خطبة * حتى يكون مع الكلام أصيلا إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا واعلم أن مذهب أهل الحق والسنة والجماعة أن كلام اللّه القديم ليس بمخلوق ، ولا محدث ، ولا حادث ، ولا خلق ، ولا مخلوق ، ولا جعل ، ولا مجعول ، ولا فعل ، ولا مفعول . بل هو كلام أزلي أبدي هو متكلم به في الأزل ، كما هو متكلم به فيما لا يزال . لا أول لوجوده ، ولا آخر له ، وأنه لا يقال إن كلامه حكاية ولا عبارة ولا إني أحكي كلام اللّه ، ولا إني أعبر كلام اللّه ، بل نقول : نتلو كلام اللّه ، ونقرأ كلام اللّه ، ونكتب كلام اللّه ، ونحفظ كلام اللّه ، وأنه يجب التفرقة بين القراءة والمقروء ، والتلاوة والمتلو ، والكتاب والمكتوب ، والحفظ ، والمحفوظ ، ولا يجوز
--> ( 1 ) وهذا يعود إلى ما حققه السعد كما سبق ( ز ) .