الشيخ محمد زاهد الكوثري

155

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

[ التّكوير : 15 - 29 ] وهذا إخبار من اللّه تعالى بأن النظم العربي الذي هو قراءة كلام اللّه تعالى قول جبريل لا قول شاعر ولا قول كاهن . وقالوا : ما هذا إلا قول البشر ، فرد عليهم بهاتين الآيتين وكذلك رد عليهم أيضا لما قالوا : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [ النّحل : 103 ] فحصل من هذا أن اللّه تعالى علّم جبريل عليه السلام القرآن . دليله قوله تعالى : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) [ الرّحمن : 1 ، 2 ] وجبريل عليه السلام علّم نبينا صلى اللّه عليه وسلم دليله قوله تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) [ النّجم : 5 ] وكان صلى اللّه عليه وسلم يقرأ مع جبريل حال قراءته فزعا منه أن يذهب عنه حفظه حتى نهاه اللّه تعالى عن ذلك بقوله : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] وبقوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) [ القيامة : 16 ] معناه لا تعجل بقراءتك حتى يفرغ جبريل عليه السلام . ثم طمّن قلبه صلى اللّه عليه وسلم بأنه يحفظه إياه ويثبت حفظه في قلبه ، فقال : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) [ القيامة : 17 ] يعني في صدرك حفظه . ووعده أن لسانه يقرؤه قراءة لا يحصل معها نسيان فقال : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) [ الأعلى : 6 ] يعني قراءة لا نسيان معها ، فحاصل هذا الكلام أن الصفة القديمة كالعلم والكلام ونحو ذلك من صفات الذات لا يجوز أن تفارق الموصوف ، لأن الصفة إذا فارقت الموصوف اتصف بضدها ، واللّه تعالى متنزه عن الصفة وضدها . فافهم ذلك . فجاء من ذلك أن جبريل عليه السلام علم كلام اللّه وفهمه ، وعلّمه اللّه النظم العربي الذي هو قراءته ، وعلّم هو القراءة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، وعلّم النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه ، ولم يزل ينقل الخلف عن السلف ذلك إلى أن اتصل بنا فصرنا نقرأ بعد أن لم نكن نقرأ ، فالقراءة أغيار لأن قراءة جبريل عليه السلام غير قراءة نبينا عليه السلام ، وقراءة نبينا عليه السلام غير قراءة أصحابه ، وقراءة أصحابه غير قراءة من بعدهم ، ثم كذلك هلم جرا إلى يومنا هذا ، يعلم كل عاقل أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قرأ قبل الصحابة ، ثم قرأت الصحابة ، ثم قرأ التابعون ثم كذلك إلى اليوم ، لكن المقروء والمتلو هو كلام اللّه القديم الذي ليس بمخلوق ولا يشبه كلام الخلق هو المقروء بقراءة الرسول عليه السلام وقراءة الجميع . وهذا أمر واضح إن شاء اللّه تعالى . مسألة ويجب أن يعلم أن اللّه تعالى لا يتصف كلامه القديم بالحروف والأصوات ولا شيء من صفات الخلق ، وأنه تعالى لا يفتقر في كلامه إلى مخارج ، وأدوات ، بل يتقدس عن جميع ذلك ، وأن كلامه القديم لا يحل في شيء من المخلوقات .