الشيخ محمد زاهد الكوثري
149
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
فيدل على صحة ذلك ما روي عن أم سلمة رضي اللّه عنها أنها سئلت عن قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقطع قراءته آية آية ، ولو شاء العاد أن يعدها أحصاها . وهذا يدلك على أن القراءة تنعد وتنحصر ، والمقروء القديم لا ينعد ولا ينحصر فافهم ذلك . ويدل على ذلك أيضا ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها سئلت : أكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يرفع صوته بالقرآن ؟ قالت : ربما رفع وربما خفض . ويدل عليه أيضا ما روي عن البراء بن عازب قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في العشاء بالتين والزيتون ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه . ويدل عليه أيضا ما روي عن أنس أنه قال : ما بعث اللّه نبيا إلا حسن الوجه ، وحسن الصوت وكان نبيكم صلى اللّه عليه وسلم حسن الوجه وحسن الصوت إلا أنه كان لا يرجّع . وأيضا ما روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر رضي اللّه عنه : « ما لك إذا قرأت لا ترفع صوتك » قال : إني أسمع من أناجي . وقال لعمار : « ما لك إذا قرأت تأخذ من هذه السورة ومن هذه السورة ؟ فقال : سمعتني أخلط به ما ليس منه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فكله طيب » فموضع الدليل : أن الرسول عليه السلام أضاف قراءة كل واحد وصوته إليه ، وذكر أنها قراءة مختلفة ، وأضاف إلى كل واحد صفته من القراءة والصوت ، ولم يضف إلى كلام اللّه تعالى شيئا من ذلك فافهم . وأيضا ما روي عن أم هانئ رضي اللّه عنها قالت : كنت أسمع قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا علي عريشي . وأيضا ما روى جبير بن مطعم قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه المغرب ، فسمعته وهو يقرأ ، وقد خرج صوته من المسجد : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ( 7 ) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ( 8 ) [ الطّور : 7 ، 8 ] فكأنما صدع قلبي ، ويقال إن هنا كان سبب إسلامه ، لأنه جاء يكلم الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أسارى بدر ، فلما سمع قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحسن صوته قال : فكأنما صدع قلبي ، وكأني بالعذاب قد أحاط بي ، فصدقت وآمنت من ساعتي . وهذا الحديث أدل دليل على الفرق بين القراءة والمقروء ، وأن الصوت صفة الصائت والقارئ دون كلام الباري ، لأن الذي صدع قلبه وهداه إنما هو الذي فهمه من كلام اللّه تعالى الذي أوعد به المستكبرين ؛ فعلو الصوت من قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صفة للرسول عليه السلام ، والذي صدق به قلبه هو ما فهمه من كلام اللّه تعالى الذي سمعه بواسطة قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلو صوته ،