الشيخ محمد زاهد الكوثري
126
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
مكة والمدينة ، وأتى بجميع شرائطها ، وآخر صلى بمكة والمدينة على الوجه الذي صلّى عليه الآخر ، لا يقال : إن أحد الصلاتين أزيد من الأخرى من طريق الصورة والعين ، ولكن أحدهما أزيد من طريق الحكم ؛ في تحصيل الفضل والثواب ، ولهذا نظائر يطول تعدادها ، وقد تكون الزيادة بكثرة دلائل التصديق لا في التصديق . مسألة ويجب أن يعلم : أن كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا ، لأن معنى الإسلام الانقياد ، ومعنى الإيمان التصديق ، ويستحيل أن يكون مصدق غير منقاد ، ولا يستحيل أن يكون منقاد غير مصدق ؛ وهذا كما يقال : كل نبي صالح ، وليس كل صالح نبيا . ويدل على صحة هذه الجملة قوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] فنفى عنهم الإيمان وأثبت أن ذلك منهم إسلام لا إيمان . وأيضا : قوله تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) [ الحجرات : 17 ] فغاير بين الإسلام والإيمان . ويدل على صحة هذا القول أيضا أن الرسول عليه السلام فرق هو وجبريل بين الإسلام والإيمان حين سأله ، فقال له ما الإيمان ؟ فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره » فقال جبريل عليه السلام : صدقت . والمراد بجميع ذلك أن : تصدق باللّه ورسوله ، إلى آخر ما ذكر ، ثم قال له : فما الإسلام ؟ فقال : « أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه ، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت وتغتسل من الجنابة » وهذا واضح في كونهما غيرين ، وأن محل الإيمان القلب ، وهو التصديق ، ومحل الإسلام الجوارح ، وهذا الحديث يقوي لك جميع ما ذكرت لك . وأن التصديق متى اختل منه شيء انخرم الإيمان ، والقول والعمل يزيد وينقص ، ولا ينخرم الإيمان مع التصديق بجميع ما جاء به الرسل عليهم السلام ، فعلى ما قررت لك لا يجوز أن نطلق . فنقول : إيمان أحدنا كإيمان جبريل ، ولا كإيمان محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا كإيمان الصدّيق رضي اللّه عنه « 1 » ، بل نمنع من ذلك ، ونريد به أن إيمان هؤلاء أفضل وأكمل
--> ( 1 ) ومن يجعلهم سواسية في الإيمان ، يريد تساويهم في الاعتقاد الجازم فقط ( ز ) .