الشيخ السبحاني
457
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
ثم إنّ هناك قرائن تؤيّد كون المراد من قوله : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، نكاح المتعة ، وهي : 1 - أنّ جماعة من عظماء الصحابة كعبد اللّه بن عباس وجابر بن عبد اللّه الأنصاري وعمران بن حصين ، وابن مسعود وأبي بن كعب ، كانوا يفتون بإباحتها ، ويقرءون الآية هكذا : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ( إلى أجل مسمّى ) ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . وهذا صريح في نكاح المتعة ، ومن المعلوم - ولا يحتمل غيره - أن ليس مرادهم سقوط هذه الجملة من الذكر الحكيم ، بل المراد بيان معنى الآية على نحو التفسير الذي أخذوه من الصادع بالوحي ، ومن أنزل عليه ذلك الكتاب صلى اللّه عليه وآله . ومن زعم أنّ هذه الجملة عند هؤلاء ، جزء القرآن فقد أخطأ . 2 - إنّ الاستمتاع في الآية ظاهر في هذا النوع من الزواج ، وقد كان معروفا في صدر الإسلام بالمتعة والتمتع ، فلا بد أن يحمل على هذا النوع من النكاح ، لا على المعنى اللغوي الموجود في الزواج الدائم والمنقطع . 3 - إنّ النكاح الدائم قد مرّ تشريعه في صدر السورة حيث قال تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ « 1 » ولا وجه لتكراره . وتوهم أنّ وجه التكرار هو تبيين حكم صداقهن الوارد في قوله : أُجُورَهُنَّ ، مدفوع بأنّه مرّ بيانه أيضا ، في صدر السورة ، عند قوله : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً « 2 » ، بل جاء بيانه أيضا قبل هذه الآية بقليل ، في قوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً « 3 » . ولا يصحّ جعل هذه الفقرة تأكيدا لقوله : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ ، لأنّ الآية السابقة آكد بيانا من هذه الآية .
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 3 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 4 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 20 .