الشيخ السبحاني
431
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
منهم بشرط أن يكون القلب مطمئنا بالإيمان . فلو كانت مداراة الكافرين في بعض الظروف نفاقا ، فلم رخّصه الإسلام وأباحه ، وقد اتفق المفسرون على أنّ الآية نزلت في جماعة أكرهوا على الكفر ، وهم عمّار وأبوه ياسر وأمّه سميّة ، وقتل أبو عمار وأمّة ، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه . ثم أخبر سبحانه بذلك رسول اللّه ، فقال قوم كفر عمار ، فقال صلوات اللّه عليه وآله : « كلّا ، إنّ عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه » . وجاء عمار إلى رسول اللّه وهو يبكي ، فقال : « ما وراءك » ؟ فقال : « شرّ يا رسول اللّه ، ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير » . فجعل رسول اللّه يمسح عينيه ويقول : « إن عادوا لك فعد لهم بما قلت » فنزلت الآية « 1 » . نعم ، شذت عن المسلمين جماعة الخوارج فمنعوا التقية في الدين مطلقا ، وإن أكره المؤمن وخاف القتل ، زاعمين أنّ الدين لا يقدّم عليه شيء « 2 » . وما ذكروه اجتهاد في مقابل النص ، فإنّ الآية تصرح بأنّ من نطق بكلمة الكفر مكرها ، وقاية لنفسه من الهلاك ، لا شارحا بالكفر صدرا ، ولا مستحسنا للحياة الدنيا على الآخرة ، لا يكون كافر بل يعذّر ، كما عذّر الصحابي الذي قال له مسيلمة الكذاب : أتشهد أنّي رسول اللّه ، قال : نعم ، فتركه ، وقتل رفيقه الذي سأله هذا السؤال ورفضه « 3 » . كيف ، وربما يترتب على التقية ومجاراة أعداء الدين ومخالفي الحق ، حفظ مصالح الإسلام والمسلمين . وبذلك يظهر الفرق بين النفاق والتقية ، فإن بين الأمرين فرقا جوهريا لا يخلط أحدهما بالآخر . إنّ التقية والنفاق يختلفان من وجهين ، وربما يكون الفرق أكثر من ذلك ، ولكن نكتفي بهما :
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 388 ، ونقله غير واحد من المفسرين . ( 2 ) المنار ، ج 3 ، ص 280 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 281 .