الشيخ السبحاني

412

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ « 1 » . والاستدلال بهذه الآية إنما يصح مع غضّ النظر عن سياقها ، وأما معه فإنها واردة في حق اليهود . أضف إليه أنّ قوله سبحانه : وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ، لا يهدف إلا إلى الكافر ، فإنّ المسلم المؤمن مهما كان عاصيا لا تحيط به خطيئته ، فإنّ في قلبه نقاط بيضاء يشع عليها إيمانه واعتقاده باللّه سبحانه وأنبيائه وكتبه . على أن دلالة الآية بالإطلاق ، فلو ثبت ما يقوله جمهرة المسلمين ، يخرج الفاسق من الآية بالدليل . الآية الرابعة : قوله سبحانه : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ « 2 » إن دلالة الآية إطلاقية ، قابلة للتقييد ، أوّلا . وسياق الآية في حق الكفار ، بشهادة قوله سبحانه قبل هذه الآية : الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ « 3 » ، ثم يقول : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ . ف الْمُجْرِمِينَ ، في مقابل الَّذِينَ آمَنُوا ، فلا يعم المسلم ، ثانيا . هذه هي الآيات التي استدلت بها المعتزلة على تخليد الفاسق في النار ، وقد عرفت أن دلالتها بالإطلاق لا بالصراحة . وتقييد المطلق أمر سهل مثل تخصيص العام . مضافا إلى انصراف أكثرها أو جميعها إلى الكافر والمنافق . وهناك آيات أظهر مما سبق « 4 » تدل على شمول الرحمة الإلهية للفساق غير التائبين نكتفي باثنتين منها :

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 81 . ( 2 ) سورة الزخرف : الآيات 74 - 76 . ( 3 ) سورة الزخرف : الآيتان 69 و 70 . ( 4 ) كما تدل هذه الآيات على عدم الخلود في النار ، تدل على جواز العفو عن الفاسق من بدء الأمر ، وأنه يعفى عنه ولا يعذب من رأس ، فهذا الصنف من الآيات كما يحتج به في هذه مسألة ، يحتج به في المسألة السالفة أيضا فلاحظ .