الشيخ السبحاني

388

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

وهذا نظير تعذيب بعض المجرمين بإكسائهم ثوبا ليمسهم العذاب من طريقه ، فالمضروب ظاهرا هو اللباس ، ولكن المتألم هو الإنسان . وبعبارة أخرى ، إن الروح هي الرابط الوثيق بين جميع الأبدان ، فهي تضفي عليها جميعها وصف الوحدة ، وتعرّفها جميعها بأنها فلان بن فلان ، من دون أن يضر اختلافها في الهيئة والشكل والحجم بوحدة الإنسان ، هذا . وربما يتخيّل أنّ المعاد هو البدن الأخير ، الذي هو عصارة جميع الأبدان الماضية ، والجامع لعامة خصوصياتها . ولكن ، غير خفيّ أنّ هذا الأصل المزعوم ( وهو كون البدن الأخير ، عصارة الأبدان المتقدمة ) ، مما لا أصل له ، لأنّ الأبدان في الفترات المتوسطة من العمر ، لها من القوة والنشاط ما تفقده الأبدان الواقعة في العقود الأخيرة من العمر . أضف إلى ذلك أن الجواب مبني على إعطاء الأصالة للمادة ، وزعم أنّ الإنسان هو نفس الجلود واللحوم والعظام وأن البدن الأخير عصارة كلّ ما تقدّم . نعم ، ربما يستظهر من قوله سبحانه : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ « 1 » ، أنّ المعاد هو البدن الأخير ، ولكنّ الاستظهار في غير محله فإنّ الآية كناية عن خروج الناس من التراب للحساب والجزاء نظير قوله تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى « 2 » . وأما كون الخارج هو البدن الأخير فليست الآية بصدد بيانه . والشاهد على ذلك أنّ من الناس من يخطفه الطير ، أو تفترسه السباع ، أو يحيط به الموج فتأكله حيتان البحر ، أو تصيبه نار فتحرقه ، والآية تعم هذه الأصناف أيضا ، مع أنهم لم يقبروا في الأجداث .

--> ( 1 ) سورة يس : الآية 51 . ( 2 ) سورة طه : الآية 55 .