الشيخ السبحاني

368

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

بعدم لحوق العصيان ، بل كان استقرار الاستحقاق في مستقبل الأيام ، هو المشروط بعدم لحوق المعصية ، فإذا فقد الشرط ، فقد استقرار الاستحقاق واستمراره . يقول الشيخ الطوسي في تفسير قوله سبحانه : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ، فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ « 1 » : « معناه أنّها صارت بمنزلة ما لم يكن ، لإيقاعهم إياها على خلاف الوجه المأمور به ، وليس المراد أنّهم استحقوا عليها الثواب ثم انحبطت ، لأن الإحباط - عندنا - باطل على هذا الوجه » « 2 » . ويقول الطّبرسي في تفسير قوله سبحانه : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ « 3 » : « وفي قوله : فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ، هنا دلالة على أن حبوط الأعمال لا يترتب على ثبوت الثواب ، فإن الكافر لا يكون له عمل قد ثبت عليه ثواب ، وإنما يكون له عمل في الظاهر لولا كفره لكان يستحق الثواب عليه ، فعبّر سبحانه عن هذا العمل بأنّه حبط ، فهو حقيقة معناه » « 4 » . ويقول في تفسير قوله سبحانه : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ، حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ « 5 » . « أي ضاعت أعمالهم التي عملوها لأنّهم أوقعوها على خلاف الوجه المأمور به ، وبطل ما أظهروه من الإيمان ، لأنّه لم يوافق باطنهم ظاهرهم ، فلم يستحقوا به الثواب » « 6 » . وبما ذكره الطبرسي يظهر جواب سؤال آخر ، وهو أنه إذا كان الاستحقاق

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 217 . ( 2 ) التبيان ، ج 2 ، ص 208 ، ولاحظ مجمع البيان ، ج 1 ، ص 313 . ( 3 ) سورة المائدة : الآية 5 . ( 4 ) مجمع البيان ، ج 2 ، ص 163 . ( 5 ) سورة المائدة : الآية 53 . ( 6 ) مجمع البيان ، ج 2 ، ص 207 .