الشيخ السبحاني
349
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وعلى ضوء هذا ، إن الشفاعة عند الأمم ، مرفوضها ، ومقبولها ، يراد منها حط الذنوب ، ورفع العقاب ، وهي كذلك في الإسلام ، بلا فرق ، كما يوضحه قوله صلى اللّه عليه وآله : « ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 1 » . وفي المقابل ذهبت المعتزلة إلى تخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة ، دون العصاة ، وأن أثرها ينحصر في رفع الدرجة وزيادة الثواب . وما هذا التأويل في آيات الشفاعة إلا لأجل موقف مسبق لهم في مرتكب الكبيرة ، حيث حكموا بخلوده في النار إذا مات بلا توبة ، فلما رأوا أن القول بالشفاعة التي أثرها هو إسقاط العقاب ، ينافي ذلك المبنى ، أوّلوا آيات اللّه ، فقالوا إنّ أثر الشفاعة إنما هو زيادة الثواب ، ورفع الدرجة . وهذا المقام أحد المقامات التي يؤخذ المعتزلة فيها بالعتاب ، حيث قدّموا النهج على النقل الصريح ، وخالفوا في ذلك جميع المسلمين . قال القاضي عبد الجبار ، منكرا شمول الشفاعة للعصاة : « إنّ شفاعة الفساق الذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا تتنزل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير وترصد للآخر حتى يقتله ، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هاهنا » « 2 » . وما ذكره القاضي ، غفلة منه عن شروط الشفاعة ، فإنّ بعض الذنوب الكبيرة ، تقطع العلائق الإيمانية باللّه سبحانه ، كما تقطع الأواصر الروحية مع النبي الأكرم ، فأمثال هؤلاء العصاة لا تشملهم الشفاعة ، وقد تقدم ذكر النصوص الدالة على حرمان طوائف منها . والعجب أنّ القاضي استدل على أنّ الفاسق لا يخرج من النار بشفاعة النبي ، بقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً « 3 » . وقوله تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ « 4 » .
--> ( 1 ) سنن أبي داود ، ج 2 ، ص 537 ، وصحيح الترمذي ، ج 4 ، ص 45 ، صحيح ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1441 . مسند أحمد ، ج 3 ، ص 213 . ( 2 ) شرح الأصول الخمسة ، ص 688 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 48 . ( 4 ) سورة غافر : الآية 18 .