الشيخ السبحاني

33

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

قبلنا ، وما إلى ذلك من القوانين والأصول الفقهية ، التي اضطرّ الفقهاء إلى اصطناعها عندما طرأ على المجتمع الإسلامي ألوان جديدة من الحياة لم يألفوها ، ولم تكن النصوص الشرعية من الكتاب والسنّة لتشمل تلك المظاهر الاجتماعية المستحدثة بحكم ، ولم يجد الفقهاء بدّا من الالتجاء إلى إعمال الرأي والاجتهاد في مثل هذه المسائل ممّا لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة ، وتشعبت بذلك مدارس الفقه الإسلامي ، وبعدت الشّقة بينها ، وتبلورت تلك المعاني إثر التضارب الفكري الذي حصل بين هذه المدارس ، وصيغت الأفكار في صيغ علمية محددة ، بعد ما كان يغلب عليها طابع التذبذب والارتباك . وذلك كلّه يدلّ على عدم وفاء نصوص الكتاب والسنّة ، بما استجدّ للمسلمين بعد عصر الرسالة ، من مسائل ، أو ما جدّ لهم من حاجة . وهناك نكتة تاريخية توقفنا على سرّ عدم إيفاء الكتاب والسنّة بمهمة التشريع ، وهي أنّ مدّة دعوته صلى اللّه عليه وآله لا تتجاوز ثلاثا وعشرين عاما ، قضى منها ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو المشركين فيها . ولكن عنادهم جعل نتائج الدعوة قليلة . فلأجل ذلك لم يتوفق لبيان حكم شرعي فرعي إلّا ما ندر . ومن هنا نجد أنّ الآيات التي نزلت في مكة تدور في الأغلب حول قضايا التوحيد والمعاد ، وإبطال الشرك ومقارعة الوثنية ، وغيرها من القضايا الاعتقادية ، حتى صار أكثر المفسّرين يميّزون الآيات المكيّة عن المدنية بهذا المعيار . ولما انتهت دعوته إلى محاولة اغتياله ، هاجر إلى يثرب ، وأقام فيها العشرة المتبقية من دعوته تمكّن فيها من بيان قسم من الأحكام الشرعية لا كلّها ، وذلك لوجوه : 1 - إنّ تلك الفترة كانت مليئة بالحوادث والحروب ، لتآمر المشركين والكفّار ، المتواصل على الإسلام وصاحب رسالته والمؤمنين به . فقد اشترك النبي في سبع عشرة غزوة كان بعضها يستغرق قرابة شهر ، وبعث خمسا وخمسين سرية لقمع المؤمرات وإبطالها ، وصدّ التحركات العدوانية . 2 - كانت إلى جانب هذه المشاكل ، مشكلة داخلية يثيرها المنافقون الذين