الشيخ السبحاني
327
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
أضف إلى ذلك : أنّ وجه تشريع التوبة ليس منحصرا بالاجتناب عن العذاب حتى يقال : إنّه لا عقاب على الصغيرة ، بل قد عرفت أنّ الوجه فيها - مضافا إلى الخلاص من العذاب - حسن الندم على كل قبيح أو إخلال بالواجب ، وقبح العزم على الاستدامة ، وهذا مشترك بين الصغيرة والكبيرة . وبذلك يظهر الجواب عما ربما يقال من أنّ عقاب الصغيرة مكفّر باجتناب الكبيرة إذا لم يصر عليها ، لقوله سبحانه : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ « 1 » . وعندئذ ، لا يحتاج إلى التوبة منها ، لما عرفت من أنّ وجه التوبة لا ينحصر بالخلاص من العذاب . الأمر الخامس - التوبة واجب فوري يحكم العقل بوجوب التوبة فورا ، لأنها اجتناب عن القبيح بقاء ، وترك للعدوان استدامة ، ومثل ذلك لا يصح فيه التأخير والتراخي . أضف إلى ذلك أنّ العقل يحرّض على التوبة فورا ففورا ، لئلا يفوت أوانها ويكون ممّن لا تقبل توبته قال سبحانه : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ، حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ، أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً « 2 » . وما ذكرناه هو خيرة المعتزلة أيضا حيث قالوا بفورية الوجوب وأنّه يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر يجب التوبة منه أيضا ، حتى أن من أخّر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة ، فقد فعل كبيرتين ، وساعتين أربع كبائر ، الأوليان ، وترك التوبة
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 31 . وقد نقله العلامة المجلسي عن الشيخ البهائي ، لاحظ البحار ، ج 6 ، ص 48 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 18 .