الشيخ السبحاني
314
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وتؤكّده آيات الطبع والختم ، فإنه تعرب عن كون محل الإيمان هو القلب ، كما يقول سبحانه : أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ « 1 » ويقول سبحانه : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ « 2 » . والختم على السمع والبصر لأجل كونهما من أدوات المعرفة التي يستخدمها القلب . والمآل هو القلب . فالإمعان في هذه الآيات يثبت أنّ الإيمان هو التصديق القلبي ، وأما أنّ هذا المقدار من الإيمان يكفي في نجاة الإنسان أو لا ، فهو بحث آخر ، إذ من الممكن أن يكون للإيمان في مجال النجاة شروط أخر . سؤال : لو كان الإذعان القلبي كافيا في صدق الإيمان ، فلما ذا يندد سبحانه بجماعة من الكفار بأنّهم جحدوا الحقيقة بألسنتهم وإن استيقنوها بقلوبهم ، مع أنّهم على التعريف الذي ذكرناه ، مؤمنين . يقول سبحانه : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ « 3 » . ويقول سبحانه : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ « 4 » . ويقول سبحانه : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ « 5 » . فهذه الآيات تدلّ على عدم كفاية التصديق القلبي في صدق الإيمان . جوابه : إن الإيمان هو التصديق ، وأما التنديد ، فلأنّ ظاهرهم كان مخالفا لباطنهم ، فكانوا يتظاهرون بالنفاق ، ولولا التظاهر بالخلاف ، بأن لا يجحدوا بعد
--> ( 1 ) سورة النحل : الآية 108 . ( 2 ) سورة الجاثية : الآية 23 . ( 3 ) سورة النمل : الآية 14 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 89 . ( 5 ) سورة البقرة : الآية 146 .