الشيخ السبحاني

302

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

الأرواح إلى الأبدان في النشأة الأخرى ، لأنّ المفروض أنّ الروح تنتقل إلى الأبد من بدن إلى بدن ، بلا توقف ، فلا مجال للنفس لكي تبعث في النشأة الأخرى . ولعل أصحاب هذه النظرية - لقلّة تدبّرهم - حسبوا هذا النوع من الانتقال للنفس معادا لها ، فالمعاد عندهم هو انتقال النفس من بدن إلى بدن في هذه النشأة دون أن تكون هناك نشأة أخرى . ويردّها أنّ النفس عند هؤلاء لا تخلو من إحدى حالتين : إما أن تكون منطبعة في البدن ، انطباع الأعراض في الجواهر ، والصور الجوهرية في المادة ، فهي ممتنعة الانتقال ، إذ الانطباع ينافي الانتقال ، والجمع بينهما جمع بين النقيضين ، فإنه يستلزم أن تكون النفس في حال الانفصال موجودة بلا موضوع ، ومتحققة بلا محل . أو تكون مجرّدة تجردا تاما ، ومع ذلك تكون دائمة الانتقال في الأجسام من غير لحوق بعالم النور وهو باطل أيضا إذ العناية الإلهية ، تقتضي إيصال كل ذي كمال إلى كماله ، وكما النفس العلمي يتحقق بصيرورتها عقلا مستفادا « 1 » ، فيه صور جميع الموجودات ، وكمال العقل العملي يتحقق بالتخلية عن رذائل الأخلاق ، والتحلية بمكارمها . فلو كانت دائمة الانتقال ، كانت ممنوعة عن كمالها ، أزلا وأبدا ، والعناية الأزلية تأبى ذلك « 2 » . وبعبارة أخرى : إنّ النفس الإنسانية مستعدة لإفاضة الكمالات عليها ، فحبسها في الصياصي البدنية في هذه النشأة ، وإيقافها عن الصعود إلى النشأة الأخرى ، يخالف الحكمة الإلهية المتعلقة بإبلاغ كل ممكن إلى غايته الممكنة .

--> ( 1 ) العقل المستفاد أحد مراتب العقل الأربعة المصطلح عليها في الحكمة النظرية : وهي عبارة عن : 1 - العقل الهيولاني ، 2 - العقل بالملكة ، 3 - العقل بالفعل ، 4 - العقل المستفاد ، راجع في توضيحها شرح المنظومة للحكيم السبزواري ، قسم الطبيعيات ، مباحث النفس ، ص 306 - 307 . ( 2 ) شرح حكمة الإشراق المقالة الخامسة ، الفصل الأول ، ص 476 . والأسفار ، ج 9 ، الباب الثامن ، الفصل الثاني .