الشيخ السبحاني

296

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

والجواب : إن هذه الآية مختصة بالظالمين الذين أهلكوا في هذه الدنيا ورأوا جزاء عملهم فيها ، فهذه الطائفة لا ترجع . وأما الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة ، فيرجع لفيف منهم ليروا جزاء عملهم فيها ، ثم يردّون إلى أشد العذاب في الآخرة أيضا . فالآية لا تمت إلى مسألة الرجعة بصلة . السؤال الثاني - إن الظاهر من قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ، وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » ، نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجيء الموت . والجواب : إنّ الآية تحكي عن قانون كلّي قابل للتخصيص في مورد دون مورد ، والدليل على ذلك ما عرفت من إحياء الموتى في الأمم السالفة ، فلو كان الرجوع إلى هذه الدنيا سنة كلية لا تتبعض ولا تتخصص ، لكان عودها إلى الدنيا مناقضا لعموم الآية . وهذه الآية ، كسائر السنن الإلهية الواردة في حق الإنسان ، فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع ، وهذا لا ينافي الرجوع في مورد أو موارد ، لمصالح عليا . السؤال الثالث - إن الاستدلال على الرجعة مبني على جعل قوله سبحانه : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ، حاكيا عن حادثة تقع قبل القيامة ، ولكن من الممكن جعلها حاكية عن الحادثة التي تقع عند القيامة ، غير أنّها تقدمت على قوله سبحانه : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، وكان طبع القضية تأخيرها عنه ، والمراد من الفوج من كل أمّة هو الملأ من الظالمين ورؤسائهم . والجواب : أولا ، إنّ تقديم قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُ . . . ، على فرض كونه حاكيا عن ظاهرة تقع يوم القيامة ، على قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ ، ليس إلّا إخلال في الكلام ، بلا مسوغ .

--> ( 1 ) سورة المؤمنون : الآيتان 99 و 100 .