الشيخ السبحاني
287
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
ناقصة تتجلى بعد الموت في النشأة الأخرى بصورة كاملة برفع الموانع والحجب ، فكأنّ المعرفة العقلية بذر المشاهدة . فتلتذ النفوس في النشأة الأخرى بإدراك الأكمل فالأكمل . وهذا كما ترى غير ما أشار إليه القرآن من اللذات الروحية ، نعم لا مانع من ثبوت كلا النوعين من المعاد الروحاني ، وليس الوارد في القرآن رادا لهذا القسم . الثاني : إنّ المعاد الروحاني الوارد في القرآن الكريم يعمّ جميع النفوس ، كاملة كانت أو متوسطة أو ناقصة . ولكن المعاد الروحاني الذي عليه الحكماء يختص بصنف خاص ، وهم الكاملون في المعرفة . وذلك لأنّ المعاد الروحاني حسب الكتاب والسنة ، يرجع إلى اللذائذ الروحية لا إلى اللذة العقلية التي تختص بالكاملين في المعرفة . يقول صدر المتألهين : « وهذا النوع من اللذة والسعادة لا تنالها كل نفس وإنما ينالها من عرف العقليات في النشأة الأولى ، لأن المعرفة بذر المشاهدة فمعرفة العقليات في النشأة الأولى منشأ الحضور في العقبى » « 1 » . إن النفوس مختلفة ومنقسمة إلى كاملة ومتوسطة وناقصة ، فلا شك أنّ حصر المعاد في الجسماني يخالف رحمته الواسعة وحكمته البالغة إذ النفوس الناقصة والمتوسطة ، وإن كانت تلتذ بنعيم الجنة ، ولكن النفوس الكاملة لا تلتفت إلى مثلها بل تطلب غاية أعلى منها ، ولأجل ذلك يجب أن يكون هناك وراء هذه اللذات الحسية ، لذة عقلية تتشوق إليها النفوس الكاملة وتصبو إليها ، وليست هي إلا نيل مقامات القرب من الحق تعالى . يقول الحكيم السبزواري : « لو حصروا المعاد في الجسماني لكان قصورا حيث عطّلوا النفوس الكاملة عن البلوغ إلى غاياتها ، لأنها المستصغرة للغايات الجزئية ، الطالبة للاتصال بالأرواح المرسلة ، بل لمحض القرب من اللّه تعالى » .
--> ( 1 ) الأسفار ، ج 9 ، ص 123 و 129 .