الشيخ السبحاني
6
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
إلى قائل بأنه ليس بمؤمن ولا كافر ، بل في منزلة بين المنزلتين ، ويعاقب أقل من عقاب الكافر ، إلى ثالث بأنه مؤمن فاسق . وتلت هذه المسألة مسألة حدوث كلامه سبحانه أو قدمه فأحدثت بين المسلمين ضجة كبرى ، وصارت مبدأ لمحنة أو محن . وفي عرض هذه المسألة ارتفع النقاش حول الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنة ، كاليد ، والعين والاستواء على العرش إلى غير ذلك من الصفات . ثم إنه كلما ازداد الاحتكاك الثقافي بين المسلمين والأجانب ، وشاعت ترجمة الكتب الفلسفية والعقيدية للفرس واليونان وغيرهما ، زاد النقاش والبحث حولها ، لاصطكاك بين تلك الآراء وما جاء به القرآن والسنة ، فلم يجد المسلمون في تلك الأجيال إلا التدرع بالبراهين العقلية حتى يصونوا بذلك حوزة الإسلام من السهام المرقوشة التي ما زالت تطلق إلى قلب الإسلام والمسلمين ، ونواميس الدين والشريعة . فشكر اللّه مساعي الجميع من سنة وشيعة في حفظ الدين وصيانته . هذا ما قام به القدماء في أداء وظيفتهم الرساليّة ، لكن التاريخ يشهد بأن قسما كبيرا من مسائل علم الكلام ، حول المبدأ والمعاد ، وحول التوحيد والعدل ، متخذة من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وانه هو البطل المقدام في دعم هذه الأصول وإحكامها . ولو اعترفت المعتزلة بأن منهجهم الكلامي يرجع إلى عليّ عليه السلام فقد صدقوا في انتمائهم وانتسابهم إلى ذاك المنهل العذب الفياض . وليس عليّ وحده من بين أئمة أهل البيت ، أقام دعائم هذا العلم وأشاد بنيانه ، بل تلاه الأئمة الأخر منهم ، كعليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام ( ت 38 - م 94 ) ، فقد صقل العقول والأذهان الصافية بأدعيته المعروفة التي هي لباب التوحيد وصفوة المعارف الإلهية ، وفيها من العرفان الصافي ما لا يوجد في غيرها . كما أن صادق الأمة وامامها جعفر بن محمد عليه السلام ( ت 83 - م 148 ) رفع صرح المدرسة الكلامية الموروثة من آبائه وأجداده ، يقف عليه من سبر أحاديثه وكلماته وأماليه ، حتى جاء عصر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا ( ت 148 - م 203 ) ، فأضفى على المسائل