الشيخ السبحاني
32
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وتتضح حاجة الانسان إلى المعرفة بالوقوف على أمور : الأمر الأول - الهداية التكوينية . إن الموجودات الحية تصل إلى الغايات التي خلقت لها ، في ظلّ الهداية التكوينية والغرائز المودعة في ذواتها ، ولا تحتاج في بلوغها ذلك الكمال إلى عامل خارج عن ذواتها ، سوى الإنسان . إن الإنسان ، وإن كان مجهّزا بغرائز ذاتية ، إلا أنها غير وافية في إبلاغه الغاية التي خلق لها ، ولا تعالج إلا القليل من حاجاته الضرورية . ولأجل ذلك ضمّ خالق الإنسان إلى تلك الغرائز ، مصباحا يضيء له السبيل في مسيرة الحياة ، ويفي بحاجاته التي تقصر الغرائز عن إيفائها ، وهو العقل . ومع ذلك كله فإن العقل والغرائز غير كافيين أيضا في إبلاغ الانسان إلى السعادة المتوخاة ، بل يحتاج معهما إلى عامل ثالث يعنيه في بلوغ تلك الغاية . ووجه ذلك أن العقل الإنساني غير مصون عن الخطأ والزلل والاشتباه ، وذلك لأن عمل العقل اختياري ، فإنه يرى أمامه طرقا متعددة وخطوطا متفاوتة ، عليه أن يسلك إحداها ويتجنب بقيّتها ، وكثيرا ما يركب الخاطئ منها ويحيد عن الصائب . الأمر الثاني - قصور العلم الإنساني في مجال المعارف الإلهية إذا كان العقل والغرائز غير وافيين بحلّ عامة مشاكل الإنسان ، فالعلم الإنساني أيضا غير كاف فيه ، وذلك أن الإنسان رغم التقدم الذي أحرزه في العلوم الطبيعية ، لا يزال في بدايات سلّم هذا العلم ، وما أحرزه ضئيل جدا أمام أسرار الكون العظيم . ورغم أن الإنسان تمكّن من معرفة قسم من المعادلات والقوانين التي تسير عليها الظواهر الطبيعية والقوى الكونية ، إلّا أنّه لا يعلم أي شيء هي ، وما حقيقتها وماهيتها « 1 » .
--> ( 1 ) وقف مرة اينشتاين العالم الكبير ، عند درج صغير أسفل مكتبته ، وقال : « إنّ نسبة ما أعلم إلى ما